مطالب تصادفی

الشهیده بنت الهدی صدر

الشهیده بنت الهدی صدر

مرحومه بنت الهدی صدر

ولادتها ونشأتها :

ولدت بنت الهدى الخالدة آمنة بنت آية الله السيّد حيدر الصدر ( بنت الهدى ) عام 1356 هـ 1937 ـ في مدينة الكاظمية ، في بيت عريق في العلم والجهاد والتقوى .

كانت أصغر شقيقيها واختهما الوحيدة .

ولم يختلف حالها عن حال باقي أسرتها في مكابدة الفقر والحرمان ، وتحمل الصعاب والمشاق ، بروح غمرها الإيمان والقناعة بأدنى ضروريات الحياة .

لم ترّ بنت الهدى أباها ولا تتذكره كما أعلم وكأنها ولدت يتيمة ، إلاّ أن الله عزّ وجلّ عوضها عن ذلك بأخويها المرحوم السيّد إسماعيل الصدر وشهيدنا الغالي السيّد الصدر ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ فقد أغدقا عليها حناناً ومحبة تقوق ما يتوقع اليتامى ، وربياها بما لم يُرِب أب فلذة كبده .

تعلمها القراءة والكتابة

تعلمت الشهيدة بنت الهدى القراءة والكتابة في البيت على يد والدتها ـ رحمها الله ـ فكانت هي المعلّم الأوّل ، تُرويها المحبة والحنان والرعاية ثمّ العلم والمعرفة.

كانت والدتها ـ رحمها ـ تُثني على ذكاء ابنتها وقدرتها على التعلم والاستيعاب والفهم ، وتقول إنها لا تنسى ما أعلمها .

ثم استكملت مراحل تعليمها القراءة والكتابة على يد أخويها ، وشمل ذلك علوم العربية في أكثر جوانبها ، حتى تمكنت من كتابة الشغعر في السنوات المبكرة من عمرها .

النضوج العلمي والديني

نضجت شخصيتها العلمية والدينية على يد أخيها سيّدنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ فوصلت إلى درجات عالية من الكمال والتقوى والعلم والمعرفة .

وما من شك إن للبيئة والمحيط تاثيراً كبيراً على نشأة الإنسان وتربيته ، سلباً أو إيجاباً ، إلاّ غنني من خلال معرفتي للشهيدة بنت الهدى اعتقد إنها كانت تمتلك من المقومات الشخصية ما تجاوزت به تلك المؤثرات ، فلا اعتقد أن للبيئة والمحيط كانا السبب الأوّل في صياغة شخصية الشهيدة بنت الهدى ، بل ما كانت تتمتع به من مقومات وخصائص جعلتها ترقى مدارج الكمال بسرعة كبيرة ، واستطاعت أن تتجاوز ظروفها في الزمان والمكان إلى مراحل متقدّمة فكانت ـ بحق ـ رائدة ونمزذجاً رائعاً للمرأة المسلمة الورعة المثقفة المجاهدة المدركة لمتطلبات الحياة .

كانت الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ حريصة على تثقيف نفسها ثقافة إسلامية رفيعة ، سو اء في مراحل حياتها الأولى ، أو فترة ما قبل الأستشهاد .

فتمكّنت من توسيع أفق ثقافتها توسعاً شاملاً متعدد الأبعاد ، ولعل كتاباتها في مجلة الأضواء في تلك الفترة (1966) تعكس لنا جوانب من تلك الأبعاد ، وكذلك العمق والأصالة والنبوغ ، ذلك إن مجلة الأضواء التي كانت تصدرها جماعة العلماء في النجف الأشرف لم تكن منبراً إلاّ للنتاجات المتميزة فقط ، وكانت بنت الهدى ـ رحمها الله ـ من أبرز مَن كتب فيها بل كانت الرائدة الأولى في الكتابة والتأليف ولم نعهد قبل الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ كاتبة إسلامية متميزة في كتاباتها عمقاً وأصالة ووعياً في النجف إن لم نقل في العراق كله ـ رغم المضايقات التي تعرّضت لها بسبب ذلك ـ ولما تميزت بها كتاباتها في مجلة الأضواء من متانة كان البعض يتصور إن المقالات التي توقع باسمها إنّما هي للسيّد الشهيد الصدر رضوان الله عليه .

أما دراستها الحوزوية فيجب أن نعلم أنّ الأعراف في النجف لم تألف الدراسات النسوية الحوزوية ، وخاصة علمي الفقه والأصول ، إلاّ إن الشهيدة بنت الهدى تجاوزت هذا الحاجز فدرست شطراً كبيراً من علمي الفقه والأصول عند أخويها الكريمين السيّد إسماعيل الصدر والسيّد الشهيد الصدر ـ رحمهما الله ـ .

والحقيقة لا توجد لديّ في الوقت الحاضر معلومات تفصيلية عن دراستها هذه ، والمستوى الذي وصلت إليه ، إلاّ إنني أعلم إنها كانت في فترات ما بعد الظهر وفي إغلب الأيام تناقش السيّد الشهيد في بعض المسائل الفقهية والأصولية وخاصة كتاب المكاسب واستمرّ ذلك حتى فترة قريبة قُبيل الإحتجاز .

والذي يمكن أن أقطع به إن الشهيدة بنت الهدى كانت ضليعة بقدر كبير من الأحكام الفقهية عموماً . فقد كانت ملاذاً للكثير من المؤمنات لمعرفة الأحكام الشرعية ، كما كانت المرشدة الدينية للنساء في الحج ، ومن المعروف إن مسائل الحج وأحكامه من أصعب وأوسع الأحكام الشرعية .

الذكاء والفطنة

وتمتاز الشهيدة بنت الهدى بذكاء وفطنة مكّناها من القدرة على الإستيعاب المتقن لكل مجالات العلم والمعرفة التي خاضتها ، ولا أغالي إذ قلت إنّ السيّد الشهيد ـ رحمه الله ـ كان مُعجباً بذكاء أخته وفطنتها وقدرتها على الإستيعاب ، وقد لاحظت ذلك مرّة من خلال مراجعتها له في بعض مطالب ( المكاسب ) والمكاسب كتاب فقهي للشيخ الأنصاري ـ رحمه الله ـ يدرسه طلاب العلوم الدينية في مرحلة ما قبل بحث الخارج ، حتى إن بعض العلماء كان يقول إن من يتقن المكاسب ويفهمه بشكل تام يستحق إجازة الإجتهاد ، وهذا الكلام تعبير عن مدى أهمية هذا الكتاب لما فيه من مطالب علمية معمقة ومعقدة .

ولست أعرف شيئاً عن كيفية دراستها لهذا الكتاب المهم أو غيره من الكتب الفقهية والأصولية إلاّ إنني أعتقد إن استجابة السيّد الشهيد ـ رحمه الله ـ لها وتجاوبه معها فيما تستفسر عنه أو تناقش فيه دليل على المرحلة العلمية المتقدّمة التي وصلت إليها ، وإلاّ فإن من عادة السيّد الشهيد صرف الأشخاص الذين يخوضون في مطالب علمية ليست بمستواهم أمّا بالسكوت وعدم التجاوب ، أو بنصحهم لما فيه نفعهم ، وهذا ما لم يحدث مع أخته ـ رحمها الله ـ ممّا يدل على اعتقاده الكبير بمستواها العلمي .

تروي السيّدة أم فرقان في كتابها ( بطلة النجف ) عن الشهيدة بنت الهدى ما يلي : » وهناك حديث طريف إنّ الشهيدة قالت :

في إحدى الجلسات مع السيّد وبين يديه كتاب فلسفتنا محاولاً شرحه وتبسيطه وبيان بعض غوامضه قلت له : سيّدنا أين أنا منكم … أنا لا أصل إلى درجة من درجات علمكم وفلسفتكم … إن الفلسفة معقّدة ولها أهلها .. وأنتم أهل لها .

أجابني قائلاً : لا يهم أنتم أقدر مني .

أجبته : وكيف ؟

فقال : أنت تكتبين الشعر ، وأنا مع حبي للشعر وتذوقي له ، وقدرتي على صياغة الأسلوب البلاغي … وقد حاولت إلاّ إني ما استطعت أن أكتب بيتاً واحداً … إنها موهبة وأنت في هذا المجال أقدر مني .. « ([1]).

الوعي والفهم الإجتماعي

ومن جانب المهمة في شخصية الشهيدة بنت الهدى وعيها المتميّز وفهمها العميق لمسيرة الحياة الإجتماعية والثقافية والسياسية .

وأعتقد إن القليل من الناس وحتى المقرّبين منها لا يعرفون الكثير عن هذا الجانب من حياتها بسبب الظرف الإجتماعي الذي كان لا يسمح بالإفصاح عن الكثير ممّا يجب أن يُعرف عنها ويساهم مع الظرف الإجتماعي الظ  روف السياسية القاسية التي كانت تطوق هذا المَعلَم ، من حياتها المباركة ، ولست مبالغاً إذا قلت إنّها جاءت في زمان غير زمانها ، بل وعاشت في مجتمع تفنن في ظلمها فكانت ضحية هذا اللون من  الإظطهاد وعدم الفهم .

ولعل من ابرز معالم هذه السمة في شخصيتها ما يلي :

أوّلاً : مساهماتها الفكرية والثقافية

مساهماتها الفكرية والثقافية فيما كتبته في مجلة الأضواء التي تصدرها جاعة العلماء في النجف الأشرف ، ومؤلفاتها الأخرى القصصية وغيرها .

لقد أدركت الشهيدة بنت الهدى إن المجتمع النسوي العراقي بحاجة إلى يدٍ أمينة تمتد إليه ، وقلب طاهر مؤمن يركن إليه ، وفهم جديد للفكر والثقافة الإسلامية .

ومن المعروف إن الجهات الدينية المتصدية في العراق لم تهتم بالمرأة العراقية إهتماماً مناسباً ، ولعل المناسبة الوحيدة التي تتوفر له هي مجالس العزاء الحسيني خلال شهري محرم وصفر التي تشدّها إلى دينها وقيمها ، وهذه أيضاً غير مستثمرة بالشكل الصحيح والمناسب ، فلو لاحظنا المجالس الحسينية النسوية وما يُتلى فيها من مواضيع وأشعار وخاصة في تلك الفترة من ( 1960 إلى 1970 م ) لوجدنا إن السطحية وعدم الهدفية هي الطابع الذي يميزها ، وبكلمة مختصرة نقول إنها غير قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية المطلوبة .

وفي المقابل نجد إن الأنظمة التي حكمت العراق وخاصة سلطة البعث المجرمة إستغلت الإهمال الكبير والفراغ الهائل للسيطرة ثقافياً وسياسياً على المرأة ، من خلال قنوات استيعاب فعالة كاتحاد النساء والجمعيات المختلفة والمدارس والجامعات وما فيها من اتحادات للطلبة ، وهي كلها تستهدف المرأة في ثقافات إباحية والحادية ومعادية للدين .

وإذا لاحظنا الكتابات الإسلامية التي تستهدف المرأة المسلمة ثقافياً وتربوياً فسوف نجد فراغاً كبيراً ليس من اليسير ملؤه إذ لا توجد كاتبات ولا كتابات إسلامية موجهة للمرأة تعالج مشاكلها الدينية والإجتماعية وتنهض بها ثقافياً وسياسياً ، وتخلق فيها حالة من الوعي لما يجري حولها يحصنها من الإنحراف والضلال ، من ملاحظة تلك الأمور يمكن أن ندرك أهمية الوعي الذي امتازت الشهيدة بنت الهدى والذي جعلها تُقدم على خطوة جريئة ورائدة في مجال الكتابة والموجّهة والهادفة لتثقيف المرأة المسلمة بما يضمن لها كرامتها ويحصنها من الإنحراف والضياع .

ثانياً : التدريس والتثقيف

إقامتها لحلقات التدريس والتثقيف الديني في النجف والكاظمية وبغداد وكان ذلك على مستويين ، المستوى الأوّل كان ثقافياً عاماً في دائرة واسعة ـ تناسب تلك المرحلة ـ الهدف منه توجيه أكبر عدد ممكن من النساء لمعرفة دينهن وإسلامهن.

والمستوى الثاني كان خاصاً يستهدف تربية وتثقيف جيل من المربيات الطليعيات ثقافة حوزوية عميقة لمواصلة المنهج الذي اختطته الشهيدة بنت الهدى إيماناً منها بأن عملية التغيير تحتاج إلى طاقات متعدّدة وفعّالة وكانت الشهيدة تقول :

» إنني سعيدة فيما توفّر لي من ظروفٍ خاصةٍ مكنتني من الطموح لبناء جيل من المؤمنات المربيات اللاتي يمكنهن خدمة الإسلام بأفضل ما يمكن ، فأنا وبفضل الله تعالى بقرب أخي أحصل منه على التوجيه في كيفية العمل والرؤى الصحيحة والمناسبة من جانب ، وعلى الثقافة المعمقة والفهم الصحيح للإسلام من جانب آخر فارجع إليه في كل ما يصعب عليَّ وأحصل منه على أفضل ما يكون وخاصة في المسائل الفقهية والفكرية وهذه نعمة كبيرة يجب أن أشكر الله عليها .. « .

كانت ـ رحمها الله ـ دائبة في اداء هذه المسؤولية والواجب المقدّس فاستطاعت في فترة زمنية قياسية إعداد ثلة من المؤمنات المخلصات القادرات على التوجيه والتربية الإيمانية ونشر الوعي الثقافي الإسلامي .

ثالثاً : التفرغ للجهاد والعمل الإسلامي

وقد حرصت بنت الهدى على التفرغ الكامل للجهاد في سبيل الله تعالى والعمل لخدمة دينه وهذا ما جعلها تغزف عن الزواج الذي كان سيحدّد حياتها التي أرادت لها أن تحقّق هدفاً أكبر ممّا ألِفته النساء من آمال وطموحات في زوج وأولاد .

وإني على يقين ممّا أقول ولا أعلم سبباً غير هذا حال بينها وبين الزواج ، وليس هذا غريباً على أهل البيت عليهم السلام وأحفادهم فلها مَثَل بسكينة بنت الإمام الحسين عليه السلام التي عزفت عن الزواج لأن الإستغراف مع الله غلب عليها ، كما جاء في بعض النصوص .

ويجب أن نقدّر هذه الرؤية التضحوية في شخصية السيدة الشهيدة بنت الهدى وما تمثل من إيمان عميق وأهداف كبيرة تتجاوز الذات والهموم الفردية الخاصة وتمتد إلى التضحية بالذات من أجل الأمّة والمبادئ والقيم .

رابعاً : السلوك الشخصي الهادف

كل من يعرف الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ يعرف فيها النموذج السلوكي المثالي الرائد للمرأة المسلمة ، فهي حقاً القدوة الصالحة التي لا تعرف نفاقاً إجتماعياً أو سلوكياً بل تجد الصدق والإخلاص والإيمان العميق بالمبادئ الأخلاقية الإسلامية في مجال التطبيق والممارسة ، هي السمة البارزة في هذا الجانب من حياتها .

وما من شك إن السيدة الشهيدة كانت تستهدف بسلوكها خدمة الإسلام على اصعدة متعدّدة ومجالات مختلفة .

فهي أوّلاً : تمكنت من الإنعتاق من فكرة إنّها بنت البيت العلمي والديني التي تجعلها تشعر إنّها أفضل من الآخرين ويساعدها على ذلك احترام الناس وتقديرهم الذي يعزز تلك الرؤية لدى السذج . وهي فكرة غير صحيحة ومقياس يخالف مقياس الإسلام الذي يقوم على أساس ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( .

وأعتقد إن الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ لم يخالط تفكيرها شيء من هذا القبيل ، بل كانت تنتقد الظواهر القائمة على هذا الأساس وتحاول إصلاحها بما يتطابق مع المبادئ الإسلامية .

وما من شك إن كل من رأى السيّدة الشهيدة لم يلحظ فيها سلوكاً قائماً على أساس إنّها بنت البيت العلمي والديني ،  الذي يمنحها مكاسب قهرية يميزها عن الآخرين ، فلا كبر ولا غرور ولا استعلاء ، بل يجدها متواضعة بسيطة تحترم الناس أضعاف احترامهم لها وتحبهم أضعاف حبهم لها .

فكانت بنت الهدى بما تمتلك من إيمان قوي ووعي كبير تضرب الأمثلة الرائعة، فتجدها مع الفقراء والبسطاء ، ومع زوجات الطلبة تتفقدهن وتجالسهن وتعالج مشاكلهن ، والكل واقع تحت تأثير خلقها المحمّدي تقول عنها السيّد أم نور الهدى :

» تذكر الأخت صاحبة اللقاء الوحيد معها ، من جملة الالتفاتات البسيطة في لقائها بالشهيدة والتي كانت لها دلالات عميقة تكشف البعد الرائع لشخصيتها ـ قدس الله روحها الطاهرة ـ إنّها في بداية لقائها تقول تلك الأخت إني ذكرت لها إسم إمرأة من عائلة الصدر قائلة لها : علوية إنّها تقرب لوالدتي على ما يبدو ومن جهة الأم .

وبابتسامة عذبة وذكية اجابتني بما معناه : المسلمون كلهم أقاربنا .

اللقاء كان فيه مجموعة من الأخوات ما أرادت الشهيدة لحظتها أن تحسس بقرب أحدنا على الأخرى «  ([2]).

وثانياً : جسدت بنت الهدى ـ بصدق ـ الخُلق الإسلامي الرفيع ، فكانت نموذجاً رائعاً للمرأة المسلمة المنصهرة بعقيدتها المتمسكة بدينها .

ومن من شك إن هذا الإيمان العميق منحها القدرة على التأثير في مجال التبليغ تطبيقاً لقول الإمام الصادق عليه السلام : ( كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم ) فأصبحت نموذجاً فريداً في قدرتها على التأثير بسلوكها دون قولها ، وكانت ـ بشهادة الكثير من المؤمنات ـ تشد إليها كل من رأتها ، تبهرها بسلوكها وأخلاقها وكيفية تصرفها ، تقول عنها الأخت أم نور الهدى :

» حدثني صاحبتي ذات اللقاء الوحيد معها فقالت :

ونحن في طريقنا إلى بيت الشهيدة الطاهرة سألتني قائلة : كيف تتصورين شكلها وأنت بعدُ لما ترينها ؟

اجبتها بصدق : إني اتصورها كمريم العذراء سلام الله عليها في قدسيتها .

ثمّ تستطرد صاحبتي هذه بقولها : وفعلاً ما إن التقيت بالشهيدة حتى كأن الصورة التي أحملها في مخيلتي عنها منطبقة على وقعها ، فحدثتها بالمحاورة التي جرت بيني وبين رفيقة الطريق ، وحينها ردت ـ قدّس الله روحها الطاهرة ـ قائلة : أين نحن من مريم سلام الله عليها .. « ([3]) .

وأنا على يقين إن حجم التاثير الذي خلفته بنت الهدى في نفوس من عرفنها عن قرب معرفة شبه تفصيلية يجعل الدموع تنهمر من دون إرادة عند ذكرها فليس سهلاً أن تنسى الذاكرة نموذجاً قد لا يتكرر بنفس السمات والمواصفات .

وكمثال لحجم التأثير أسجل النماذج التالية لنساء عرفن الشهيدة بنت الهدى وما تميزت به شخصيتها من جاذبية وتأثير .

كتبت الأخت ابتهال البغدادي ([4]) . مقالاً بعنوان ـ بنت الهدى شهيدة محراب العقيدة ـ نقتطف منه ما يلي :

» أتحدث عن بنت الهدى الإنسانة الحساسة التي كانت تحمل هموم الأمة ، والتي ذابت في الناس وعاشت آلامهم ومآسيهم ، فتفقدت عوائل الشهداء وزارت بيوت الفقراء وطببت جراحاتهم .

اتحدث عن تلك الإنسانة المؤمنة ذات الأخلاق الحلوة ، ونسيم التعامل اللطيف الطيب .

كانت تفي بالعهد وتلتزم به حيث » إن العهد كان مسؤولاً « .

كانت توقر الكبير وتحترم الصغير ، تحدثني إحدى الأخوات إنّها كانت مع عائلتها في زيارة لبنت الهدى تقول الأخت حينما انتهت الزيارة وهممنا بالخروج تأخرت أنا وبقيت أربط حذائي وبيت الهدى واقفة معي تنتظر لا تدخل إلى البيت وكان عمري يومها اثنى عشر عاماً ولم تذهب عني حتى خرجت وهي تودعني .

ولقد استقصيت أنا شخصياً آراء بعض الأخوات حول بنت الهدى وسألت كل واحدة منهم : ما الذي يجذبك إلى بنت الهدى أكثر من غيره فكانت الإجابات مختلفة .

فقالت إحداهّن : عزوفها عن الدنيا وملذّاتها …

وأجابت أخرى : إنّها بساطتها وتواضعها واريحيتها …

وأُخرى عقبّت : إنّها رغم بساطتها كانت سيّدة متانقة ذات هيئة حسنة كانت تعتني بمظهرها … وفي خاتمة الإستقصاء توجهت بسؤالي هذا إلى من لها صلة وثيقة ببنت الهدى وقرابة فأجابت :

إنه العمل في سبيل الله منذ مطلع شبابها الأغر .. لقد نذرت حياتها كلها لله تعالى ، وأصدق فعل للإنسان هو أن يقدّم روحه ، ولا أغلى من الروح لدى الإنسان وقد قدمتها بنت الهدى رخيصة إلى باريها عزّ وجلّ .

وهي ممّن لها فضل في تحبيب الإسلام إلى كثير من الناس وجعله حلواً مستساغاً عذباً بعد أن كان أمراً رجعياً معقداً في نظر الكثيرين .

وأنا أقول : إنّه يكفي بنت الهدى إنّها قالت كلمتها الجريئة ، وجاهدت أفضل الجهاد » كلمة حق عند سلطان جائر « حين خرجت تنادي في صحن جدّها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : الظليمة الظليمة … أيّها الناس اعتقل مرجعكم …

ويكفي بنت الهدى أيضاً إنّها في الليالي الحالكة حيث الظلام هو كل شيء والسكون قد عمّ الكون وكثير من الناس قد دخلوا إلى الراحة والنوم ، وعين بنت الهدى ساهرة أرقة ، جالسة وبين يديها أوراقها ، وقد أحنت ظهرها على تلك الأوراق تكتب لنا ، لكل بنات الإسلام .

فلصرير قلمها الشجاع الباسل الذي يدور مع الحق حيثما دار رنّة يوم القيامة ونغمة عذبة ، ولحن جميل يقودها إلى حيث الجنان والرضوان .

كانت إنسانة مثلنا لا تفترق عنا بشيء لكنها تفوقت إلى مراتب الشهادة والذكر العلي الجميل في الدنيا والآخرة بحسن النية والأخلاص في العمل لوجهه تعالى .

لذا نحن مدينون للشهيدة بنت الهدى لا سيما النساء الرساليات المتنورات بالفكر والمعرفة .

مدينون للتعرف بالشخصية الفذّة والروح الإيمانية التي كانت تستبطن الثورة والرفض للظلم بكل أنواعه .

مدينون للتعرف بالكلمة الجريئة والوقفة البطولية العظيمة التي وقفتها بنت الهدى ضدّ الطاغية المتفرعن … « .

ونموذج آخر ما جاء في مقال تحت عنوان ـ أيُّ كنزٍ ثمين فقدنا ـ للسيّدة أم نور الهدى ليعبّر عن مشاعر المثكول الحيران وقد صدمته الواقعة فهو ينتزع الزفرات من قلب لا يكاد يصدّق ما وقع تقول فيه :

» بنت الهدى … سلام عليك .

يا حوراء المحنة ويا زينب العصر .

سبعة عشر عاماً قد تصرمت ، وفراق الأحبة ثمّ لوعة الحنين ما زالا يضطرمان في قلوب المحبين .

سبعة عشر عاماً بأيامها ولياليها بأشهرها الطوال وثقل سنينها المعتمة بوحشة الفراغ الذي خلفتموه …

أفحقاً يا مولاتي مرت كل تلكم السنين على رحيلكم وبعدكم عنا ؟ لكن ما بالنا يا سيدتي نحس وكأن الفاجعة لما تزل وليدة الأمس ؟

وتجيبني نفسي ولِمَ لا يكون إحساس الألم هكذا والجرحُ بعدُ لما يندمل .. والقلوب اللهفى للقياكم بعد لم تبرد لوعتها ويطفى غليلها ولو وقفة على قبرك الذي غيّبته يد الإجرام والحقد .

ولكني أعود فأقول بصدق الحاجة وإلحاح المحنة :

أين أنت يا حوراء المحنة ؟ فمطبات الحياة أمامنا قد كثرت وتعددت .. والحاجة اليوم إليكم كما كانت هي بالأمس قد اشتدت وتعمقت .

عجيبة هي نفسكم الطاهرة تلك ! أي تأثير عميق تتركه في القلوب التي تهفو إليها ! قريبة كانت أم بعيدة . يأتي ذلك كله بطريقة طبيعية غير متكلّفة أو متصنعة إذ ليس من كان الإيمان الصادق شأنه تأتي أفعاله ، حركاته كلماته ـ حتى عبر السنين ـ حية نابضة ؟ لتحرك الوجدان ، ولتدق أوتار القلوب فتنفتح بكل رحابة لنبضات الصدق الصادرة من قلوب قد عُجنت بالإيمان حتى طهُرت .. وسَمت في علياء الكمال حتى تألقت .

وهكذا كنت يا مولاتي يا بنت الهدى الهداية والهدى وهذا عرفناك نوراً من تلك الأنوار الهادية ما عساني يا سيدتي في أسطري الكليلة هذه أن أحدّث عنك ؟

أو أي كلمات هذه التي ستترجم أو تعكس ملامح شخصيتك الرائعة كما هي في جوهرها وحقيقتها . لا بقصور الكلمات فيما أعكسه أنا أو غيري ممن تشرفن بمعرفتك وحظين برعايتك ، إذ يبقى انعكاس الشعاع ووهجة غير تالقة في جوهره وكينونته …

نعم وجدته من الصعب حقاً للوهلة الأولى أن أكتب عن شخصية كان لها من الأثر العميق في نفسي أوّلاً ، بل في مجتمعنا بشكل عام والنسوي بشكل خاص ثانياً … بحيث لا أبالغ أبداً إن قلت إنّه من  النادر جداً أن تتكرر على مرّ الزمن .

بدأت أجمع ذاكرتي وأسطري لأكتب عنها ، قلت ونفسي لأستعين ببعض من أخواتي ممّن تشرفن بلقائها ، لعلنا نوفق معاً لكشف بعض معالم شخصيتها الفذة التي لم تتناولها بعد الكتب أو المقالات التي كتبت عنها بدأت باخت وأخرى وثالثة …

إستوقفتني إحداهن عندما أجابتني بعذوبة وبراءة صادقة حيث قالت : » لم يكن إلاّ لقاء واحد لي معها « ثمّ استطردت .. ومع مجموعة لم أكن أنا الوحيدة كي تسنح لي الفرصة أكثر للحديث معها …

أجبتها لا عليك .. حاولي أن تتذكري اللقاء ( لعلمي من خلال تجربتي مع الشهيدة ـ رض ـ إن كل لقاء معها وإن كان قصيراً إلاّ إنّه يحمل في ثناياه الكثير ـ ثمّ بدأت رفيقتي تحدّثني عن ذلك اللقاء البسيط الذي في سرده لم يأخذ إلاّ دقائق قليلة والذي صوّرته صاحبتي إنّه ربما ليس بالمهم أن تتحدث عنه حتى بادرتها قائلة : مهلاً يا عزيزتي إن لقاءك الوحيد هذا على قصره أراه يحمل في ثناياه ما لا يقل عن أربعة جوانب رائعة لشخصية الشهيدة الطاهرة كشفتها محاورة قد تبدو للوهلة الأولى إنّها محاورة عادية جداً إلاّ : » إن محاورة نماذج كهذه لها من الإصداء والعبر ما ليس لغيرها « .

إني إذ أقول ذلك واستشهد به لاقرّب الصورة في بيان التأثير العجيب لكلامها ـ قدّس الله روحها الطاهرة ـ إذ كانت تنتقي لكل موقف ما يلائمه ، ترد بسرعة بديهة بكلمات موزونة ، إذ لم يكن للثرثرة في حديثها من مكان ، لا يفاجئها سؤال أو استفسار إلاّ وكأنها قد أعدت الجوانب مسبقاً في حين نحن نعلم إن المحاورات أو التساؤلات التي كانت تسأل فيها تأتي من شرائح مختلفة من  المجتمع النسوي ومع ذلك لم تكن تتعثر في منطقها للكلمات حتى لو كانت الأسئلة محرجة في بعض الأحيان .

تحاور بهدوء ..

تجامل بدون تملق …

تنصت من غير ملل …

تعطي لكل مَنْ في المجلس حقها ، وكأنها الأم الحنونة التي لا تريد أن تميز بين بناتها .

لم تسخر يوماً من سؤال أخت حتى لو كان بسيطاً لا تجرح ولا تحرج متحدثها بشيء ..

ابتسامتها الصادقة والبريئة كانت تمتص بها كل نقص تلمسه .

كانت تستوعب الجميع .. الصغيرة والكبيرة ، العالمة والجاهلة ، تحدّث كلّ واحدة على قدر ما تستوعبه بتواضعها العجيب نعم ارتفعت في عيون مَنْ عرفها وبحبها الصادق لهن في الله وليس في غيره كسبت كل تلكم القلوب .

ما كانت تدعو لنفسها يوماً ، فمن كسبت من أخوات ونساء من مختلف الأعمار ما كان سبباً لنفسها ، إنّما هو كسب لدرب الهدى الذي كانت هي ابنته الدّالة عليه . نعم بمثل تلك النية الصافية وبمثل ذلك الإخلاص الصادق أنشأت جيلاً صاعداً من النساء الملتزمات بدينهن والواعيات في التزامهن .. « ([5]) .

هذه المشاعر الصادقة الحية تعبّر بواقعية عن الجوانب التي أعرفها في شخصية الشهيدة بنت الهدى ، والأجدر أن أقول إنّها معالم وميزات عبرت عنها مشاعر أخت مؤمنة تعرّفت على الشهيدة بنت الهدى لفترة زمنية محدودة ، وأقول محدودة لأنها تختلف على كل حال عن المعايشة اليومية التي يمكن من خلالها إعطاء صورة أشمل عن شخصية السيدة الشهيدة بنت الهدى ، ففي حدود ما أعلم إن حالة الثراء الروحي والفكري والأخلاقي في شخصية الشهيدة بنت الهدى لا ينضب بعد لقاءات أو مواقف معها ، لأنّها مَثل دائم العطاء والتوهج ، ولعل فصول هذه المذكرات المتواضعة عنها ستؤكد هذه الحقيقة .

سلوكها داخل الأُسرة

من الأُمور التي يجب أن تُعرف عن السيدة الشهيدة بنت الهدى سلوكها داخل البيت والأُسرة ، ذلك لإنني أعتقد إنّها كانت نموذجاً قلّ نظيره في ما سطرته من خُلق رفيع خلال معايشة طويلة مع والدتها وابنة عمها السيدة التقية الورعة أم جعفر حفظها الله ، وللحق أقول إن السيدة أم جعفر هي الأخرى كانت نموذجاً ضمّ الخصال الحميدة والخُلق الرفيع في جانب ، والتقوى والورع في جانب آخر ، ولا نعجب من ذلك وهي قرينة سيّدنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ وسليلة العلماء الأبرار .

كان على السيدة الشهيدة بنت الهدى أن تقوم بعدة مهام في بيت أخيها وهي :

1 ـ المهام والوظائف التي تقوم بها تجاه السيد الشهيد الصدر ، أو ما قد يكلفها به في مجالات متعددة ، من تدريس أو إقامة ندوات ، أو إشراف مباشر على مدارس دينية او غير ذلك .

2 ـ دورها في استقبال الضيوف من النساء ، والإهتمام بتلبية حاجاتهن الفقهية والفكرية ، والمساهمة في حل مشاكلهن العائلية والزوجية .

3 ـ دورها في تربية بنات السيد الشهيد تربية لائقة وصحيحة .

4 ـ دورها في خدمة والدتها المعظمة ـ رحمها الله ـ فقد كانت بحاجة إلى المزيد من العناية والإهتمام بسبب كبر العمر ولما تعاني من أمراض متعددة .

5 ـ دورها في القيام ببعض شؤون البيت بالمساهمة مع السيدة أم جعفر حفظها الله .

وأعتقد إن الشهيدة بنت الهدى كانت موقفة في كل تلك المجالات بل وكانت نموذجاً رائعاً في كل ما قامت به .

ففي مجال الإشراف على الجوانب التثقيفية والتربوية كانت رائدة في نشاطها وقدرتها على التخطيط والتنفيذ وما من شك إن النجاح الذي حظيت به مدارس الزهراء سلام الله عليها إنّما كان في جانب كبير منه يعود إليها ، وكذلك يعود لها الفضل في نشر الوعي الإسلامي بين الوسط النسائي ، وكل ذلك كان يتم رغم الظروف القاسية من ضعف في الإمكانات المادية ، أو مضايقات وضغوط أمنية ، أو اعراف وتقاليد إجتماعية كانت تشكل عقبات كثيرة في طريقها .

أمّا إهتماها بالناس فقد كانت تستقبل النساء مع السيدة أم جعفر حفظها الله عصر كل يوم والزائرات من مدن مختلفة ، ومشارب متعددة ، ومستويات متباينة ، ومع ذلك فإن الجميع يخرجن برضا وإعجاب لما يجدن من إهتمام ورعاية وحسن الخلق.

ولعل أروع ما عرفته عن السيدة الشهيدة بنت الهدى إسلوبها في تربية بنات السيد الشهيد ـ رضوان الله عليه ـ فإلى جانب تعليمهن مسائل الحلال والحرام التي هي من الأمور الضرورية كان هناك جانب لا يقل أهمية عن سابقه وهو تهذيب نفوسهن بالمستوى الذي كان ينسجم مع ما كان يتطلع إليه السيد الشهيد ـ رحمه الله ـ في مرجعيته من عدم إهتمام بالماديات . وهذه النقطة بالذات تحتاج إلى وعي كبير وإرادة تقوم على الإقتناع الكامل فكانت الشهيدة بنت الهدى خير من قام بهذا الدور فكانت تذكرهن دائماً بأنّ ما عندهم من مال ليس ملكاً لهم إلاّ بمقدار الضرورة العرفية وهو ما كان نفس السيد الشهيد يربيهم عليه ([6]) وكانت تقول لهنّ إن الإنسان إنّما يكون عظيماً عند الله عزّ وجلّ وعند الناس بإيمانه وأعماله الصالحة وأخلاقه لا بملابسه وما يملك من ذهب وجواهر .

لقد كانت هذه المهمة صعبة جداً فإن عدداً كبيراً من الزائرات كنّ يرتدين أجمل الملابس والحُلي والزينة ، وهو أمر مألوف في تلك الأيام ، بل قد يعتبر من غير المستساغ أن تخرج المرأة بملابس بسيطة وعادية ، فكيف يمكن مقاومة هذا الإغراء المستمر والذي له في كل يوم شكل ومظهر جذاب .

لقد حرصت بنت الشهيدة بنت الهدى وكذلك السيدة أم جعفر على تربيتهن على الإقتناع بالحد الأدنى وبما يحفظ كرامتهن وكرامة المرجعية والحالة الترابية التي كان السيد الشهيد الصدر يستهدفها .

كما كانت تربيهن على نهج سلوكٍ أخلاقي رفيع في طريقة وأسلوب تعاملهن مع الزائرات بنحو يحقق للإسلام خدمة عظيمة ، وأعتقد إن كل من ستقرأ هذه الملاحظة سوف تقول نعم كنا نرى ذلك وضحاً في سلوكهن وتعاملهن .

أمّا دورها في خدمة والدتها ـ رحمها الله ـ فقد كانت صورة رائعة من صور البرّ بالوالدين ، ونموذجاً راقياً من منهج ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً ( .

لقد رافقت الشهيدة بنت الهدى والدتها ـ رحمها الله ـ سنوات عصيبة بدأت باليتم المبكر لوالدها المرحوم آية الله السيّد حيدر الصدر قدس سره الشريف وما كانت ترى في وجه والدتها من ألم وحزن على من فقدت من أولادٍ كانوا ضحايا الأمراض ، أو هموم المعيشة الصعبة وضيق اليد والحاجة ، أو ما كانت تعاني من أمراض مستعصية وصعبة العلاج .

وما أن تحملت الشهيدة بنت الهدى المسؤولية تجاه والدتها حتى قامت بأداء دورها خير قيام ، فكانت البنت البارة حقاً لأمها ، ترعاها دون ملل ، وتخدمها بحب وحنان ، وتقوم بشؤونها خير قيام ، وما أكثر ما سمعتها تردد ( الله يرضى عليك يا بنتي ) .

لقد رأيت الشهيدة بنت الهدى وهي تقوم بخدمة والدتها في السنة التي ذهبنا فيها إلى مكّة لأداء العمرة عام ( 1978 م ) فكانت ترعاها بكل ما يمكن أن يتاح من وسائل الخدمة والرعاية .

ومن الجدير بالذكر إن المرحومة والدة السيد الشهيد أصرّت على أداء العمرة كأحدنا رغم شيخوختها ومرضها فكانت تطوف مشياً على قدميها ، وأصرّت على السعي كذلك إلاّ إنها وجدت نفسها بعد قليل قد انقطع نفسها فاضطرت إلى ركوب العربات المخصصة لهذا الغرض ، وكانت عند نهاية وبداية كل شوط تضع قدمها على أحجار جبل المروة أو الصفا لتحتاط في أداء أعمال العمرة ، فكانت بنت الهدى معه في كل منسك وعبادة لا تفارقها لحظة حتى أتمت أعمال العمرة .

وكما كانت السيدة بنت الهدى ترعى والدة سيدنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ كانت كذلك وبنفس الروح والأخلاق تفعل السيّدة المكرّمة ام جعفر ـ حفظها الله ـ فقد كانت نموذجاً رائعاً في الأخلاق ووالطيبة والمحبة تحنو عليها وتخدمها بكل ما تقدر عليه جزاها الله خير الجزاء .

أمّا دورها في القيام بواجبات البيت وما يتطلب من رعاية وإهتمام فبالرغم من إن السيّدة الجليلة أم جعفر ـ حفظها الله ـ كانت أمّاً وزوجة مثالية فلم تُقصّر بشيء ولم تتماهل في أداء واجباتها رغم الضغظ الكبير الذي كان ينشأ عادة منن كثرة الضيوف الذين لا يخلو البيت منهم عادة ، ومع ذلك نرى بنت الهدى تقف بما عُرف عنها من أخلاق عالية وإحساس بالمسؤولية لتساهم وبنفس المستوى في أداء ما يلزم من واجب وخدمة تتطلبها الشؤون المنزلية ، فكانت تقوم هي يوماً بالطبخ والسيّدة أم جعفر في اليوم الآخر وهكذا .

هذا كله بروح من الإنسجام والمحبة والمودة وحسن الخلق من الطرفين فلم ألحظ يوماً إن حزازة أو شيئاً من البرود يستحق الذكر حدث بينهما ، وإن حدث فما أسرع أن يتلاشى وكأنه لم يكن .

وأعتقد إن السيدة الشهيدة مع السيدة أم جعفر كانا قلباً واحداً وعقلاً واحداً ، ولم تكن همومها شخصية ومصلحية كان همهما الإسلام وخدمة السيد الشهيد وتخفيف همومه .

العبادة

من نافلة القول أن أتحدث عن هذا الجانب من شخصية السيدة الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ لأنها بحق القدوة الصالحة والمثل الطيب .

ومن المؤكد إن طبيعة الأمور لم تكن تتيح لي معرفة كل شيء وبتفاصيل دقيقة عن هذا الجانب ، إلاّ إنني لمحت بعض ما يشير إلى ما كانت تتميز به من خصائص فريدة في هذا المجال .

حرصت ـ رحمها الله ـ على إخفاء هذا الجانب من حياتها ، فقد كانت لها غرفة صغيرة خاصة بها وكانت جلّ عبادتها تؤديها إأمّما فيثها ، وأمّا في حرم الإمام علي عليه السلام .

وقد لاحظت إنّها كانت كثيرة الصلاة والدعاء وقراءة القرآن من دون تفاخر أو تظاهر ، واتذكر ان أحد كتبها أو قصصها وكنت اشرف على طباعته على في إحدى مطابع النجف واحتجت إلى مراجعتها في بعض أمور طباعته فقلت لابن أخيها السيد جعفر ـ حفظه الله ـ وكان صغيراً آنذاك ان يخبر عمّته بالأمر ، فذهب إلى غرفتها ثمّ عاد فقال إنّها تصلي . وكان ذلك قبيل العصر ، فقلت لعلها ستفرغ من ذلك بعد ربع ساعة ، وتكررت مراجعة السيد جعفر وفي كل مرّة كان يقول إنّها تصلي وقد استغرق ذلك ما يقرب من ساعة ونصف إلى أن أثارها كثرة تردد ابن أخيها فسألته عن السبب فقال إن فلاناً أحضر قسماً من ( الكتاب أو القصة) ويطلب منك راجعته والنظر فيه ، ثمّ قالت له وبماذا كنت تخبره حينما كنت تتردد على الغرفة ؟ فقال : كنت أقول له إن عمتي تصلي ، فطلبت منه إن ألاّ يخبر أحداً عن أمورها هذه في المستقبل .

فكانت تستغل ما يتاح لها من فرص لأعمالها العبادية أو الدراسية ـ حسب الظروف ـ وقد فهمت ذلك من مناسبات تشبه هذه الحادثة من مثل صلاتها ففي المسجد الحرام لمّا ذهبنا إلى العمرة فقد اتخذت زاوية هناك والجأت ظهرها إلى حائط المسجد وأخذت في الصلاة وقراءة القرآن والدعاء ولم تنقطع عن ذلك وكان هذا دأبها في كل يوم .

واستطيع أن أجزم إن للعبادة بأشكالها المختلفة لدى الشهيدة بنت الهدى فهماً عميقاً يتطابق مع الهدف الحقيقي للعبادة في الإسلام ، وهي العبادة الواعية التي تنكعس آثارها على السلوك والعمل ، ولو لاحظنا الشهيدة  المظلومة بنت الهدى لوجدناها قمة شامخة في أخلاقها وسلوكها تتجسد فيه بوضوح آثارها العبادة ومعطياتها ، وليس ذلك غريباً إذا علمنا أن استاذها ومربيها هو السيّد الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ الذي ألزم نفسه أن لا يصلي إلاّ بحضور قلب وانقطاع كامل لله ([7]) ولم يكن للشهيدة أن لا تخرج عن نطاق هذا الفهم العميق والصحيح للعبادة ، وتجسد ذلك بمواقفها الإيمانية والبطولية في أيام المحن والإرهاب حين نكصت الرجال وثبتت بنت الهدى حتى نالت الشهادة .

هذه مقتطفات سريعة ومقتضبة عن محطات كبيرة في حياة وشخصية الشهيدة الغالية بنت الهدى رحمها الله .

بنت الهدى كما تراها إحدى تلميذاتها ([8])

كتبت السيّدة الفاضلة أم تقى الموسوي عن أُستاذها الشهيدة بنت الهدى رحمها الله ما يلي :

» أضاءت حياة الشهيدة بنت الهدى معالم باهرة ، فهي العالمة الجليلة ، والأديبة الفاضلة ، نشأت في أحضان أخوين عالمين ، وأم مهذّبة بصيرة ، وقد دأب هذا الثلاثي الطاهر على تربية هذه البنت تربية صالحة نموذجية لتصبح بعد حين عَلَما للمرأة المسلمة الرساليّة ، ولتكون السراج المنير في اللّيلة الظلماء لمن ضعن في متاهات الغواية والإغراء ، وكان لديها دافع التقبل والقدرة على إستيعاب ما يُلقى عليها من التوجيهات والدروس والمحاضرات التي كانت تعدّها لمستقبلها الخطير .

وأذكر هنا أنّه عندما كانت الدكتورة بنت الشاطئ في سفرها إلى النجف الأشرف حيث التقت الشهيدة سألتها الدكتورة :

ـ من أيّ كلية تخرجت ؟

ـ قالت الشهيدة ببسمة وادعة ( أنا خريجة مدرسة بيتنا ) .

فدهشت الدكتورة لهذه المفاجأة المذهلة التي لم تكن تتوقّع سماعها حيث تجد نفسها تقف أمام مفكّرة إسلامية لم تدخل مدرسة قط .

همٌ إسلامي ونشاط جهادي مبكّر

في ذلك العمر اليانع الذي لا يعرف مثله عند غيرها سوى اللهو البريء والإنشغال في الأمور التي تنشغل بها الصبايا عادةً ، كانت وهي في سن الورود المتفتحة للحياة وقد عزفت الحكمة وهي صبية ) ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ( .

ومن الطريف أنّ هذه الصبيّة الحكيمة حيث تبادر أمها إلى إهدائها ( دُمية صغيرة ) لظنّها أنّ إبنتها قد تكون في حاجة إلى دمية تلهو بها مثل بقية الصبايا اللاتي هُنّ في مثل سنها ، وتعجب الأم حين ترى إبنتها تواجه هذه الدمية بالبرود ، والذي قد يعبّر عن عدم ارتياح داخلي لما تراه من أنّ تسجيلها في عالم الصبا يشكل منقصة لها ، وهي ذات القلب المتفتّح منذ نعومته على العمق والحكمة والقضايا الكبيرة والشؤون الرفيعة .

وقامت بتخريب تلك الدمية معلنة بذاك عن إنّها فوق المسائل الصغيرة ، وقد زاد هذا الموقف أمّها إعجاباً بها، وافتخاراً بشخصيّتها الكبيرة ، وهي في بداية مسيرتها في الحياة ، وكانت في بواكير نشاطها الجهادي في ذلك العمر تُرتب نشرة جدارية تحتوي مضامين إسلاميّة وثقافية مفيدة وتقوم بإيصالها إلى مَنْ تشخص ضرورة إطلاعها عليها للإستفادة منها .

وهكذا في نعومة الأظفار كانت ( آمنة الصدر ) الصبية التي ربيت في رحاب العلم والجهاد والهموم الإسلاميّة تخطو خطواتها الأولى في درب العمل المقدّس وهي ترفع بيدها على قدر جهدها لواء الإسلام تدعو إلى الله على بصيرة حالفتها منذ البداية ورثتها من الدم ، ورضعتها مع اللبن وتغذتها من مائدة البيت الصدري، بيت المعرفة والحكمة والعمل الصالح والبذل في سبيل الله .

بنت الهدى ومدرسة الشهيد الصدر

كان للشهيدة الإطلاع الواسع على مدرسة السيّد الشهيد وأفكاره وتوجهاته الفكريّة الإستدلاليّة في الإصلاح والهداية ، وقد تجلّى ذلك في آخر كتاباتها التي برز فيها الجانب العلمي والنقاش الواعي أكثر من بقية كتبها ، وهذا هو الملحوظ في كتاب ( إمرأتان ورجل ) و ( الباحثة عن الحقيقة ) .

الإستيعاب الواعي للتاريخ

وكذلك البحث والمناقشة في قضايا التاريخ الإسلامي الأمر الذي تجسّد في كتابها ( المرأة مع النبي في حياته وشريعته ) والذي يبرز فيه إطلاعها الواسع على التأريخ الإسلامي ، ويلاحظ القارئ فيه الرد المقتدر الواعي المقنع على الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها ( بنات النبي ) وكيف أثبت ذلك الرد إنّ الرسول كانت له إبنة وحيدة ، وهي فاطمة عليها السلام ومن خلال بحث تحقيقي دقيق ومناقشة علمية بارعة .

الشهيدة أديبة بارعة

للشهيدة بنت الهدى حس أدبي رفيع ، وذوق عال ، وشاعرية فذّة ، خيال واسع، يتجلّى في كتاباتها الإسلامية الهادفة .

وكان الطريق القصصي الذي سلكته هو أفضل طريق لتعريف المرأة رسالتها ، لا سيّما في ذلك الوقت الذي كان فيه الجانب الأدبي يُستغل من قبل أعداء الإسلام إستغلالاً كبيراً للوصول عن طريقه إلى أهدافهم اللئيمة .

لقد شعرت بأهمية هذا الجانب وتأثيره في خدمة الإسلام ، ولقد رأت بأم عينها كيف نفذ الكفر والإنحراف للحياة الإجتماعية من خلال الأدب والشعر وكتابة القصص الفارغة المليئة بالمزابل الأخلاقية م الدعارة والمجون والرذيلة ، وقد دسّوا فيها ما يشاؤون ويشتهون وما يملي عليهم شياطين الجن والإنس من تضليل وإغواء وجذب إلى مستنقعات الراذائل ،وقد غدت المكتبات مليئة بمثل الحماقات ، وغدت الشابة الضائعة أينما تلوي على كتب تطالعها لا تجد أمامها سواها ، ولم يكن في وسعها ولا من ذوقها أن تطّلع على كتب العلماء أو المفكرين الإسلاميين ، والسبب يعود إلى أنّ تلك الكتب قد كُتبت بإسلوب يصعب فهمه وغير مشوّق لتلك الأعمار ، فلم تكن تلك الكتب تستهوي الفتيان ، فلا بدّ إذن من ملء هذا الجانب وسد الفراغ ، فراغ الإستفادة من الأدب الإسلامي الهادف الذي يستهوي الشباب لخدمة القضية الإسلامية إنطلاقاً من مقولة الإمام شرف الدين ( لا ينتشر الهدى إلاّ من حيث انتشر الضلال ) فبادرت رحمها الله إلى كتابة القصة الهادفة وبذلك الإسلوب الجذاب الواضح ، وبدأت تعالج القضايا الأخلاقية في المجتمع بشكل شيّق يشد القارئ ويجعله يتابع الفصول بشغف حتى يصل إلى نهاية ، نلاحظ هذا في كتابها الفضيلة تنتصر ، حيث نراها تنفذ إلى المرأة من الجانب العاطفي الذي هو يملكها ولا تملكه ، وتضغط على ذلك ( الزر ) لتصل إلى الهدف المرسوم ، وإثارة مشاعر الخير والفضيلة ، وعالجت بذلك الإسلوب الأدبي الشيّق الأخطاء الإجتماعية ، والتقاليد والأعراف الخاطئة المتفشية في أوساطه ، وراحت تبرز مفاسدها بشكل مضحك ومثير تارة وبشكل عاطفي حزين تارة أخرى ، ويجد القارئ هذا في قصصها الصغيرة ( الخالة الضائعة ) و ( ليتني كنت أعلم ) ولا يخفى أنّ قصصها كانتت تستهوي غير المتدينات أيضاً لأنّها لم تكن قصص التاريخ الإسلامي في صورته الأولى ، أو عن واقع الإيمان والتقوى لدى نساء القعيدة أو رجالها ، بل كانت قصص الواقع المعاش والحياة الإجتماعية بما فيها من مشاكل وعقبات ومحن ومصاعب يغرق المجتمع في تيارها ، ويتيه في فقارها .

الجانب الأخلاقي للشهيدة

والمعلَم البارز الذي أشرقت به الحياة العلمية للمجاهدة الشهيدة وجعلها كالشمس المنيرة ، وفتح لها وأهدافها السامية الأبواب علىمصاريعها في القلوب فأثرت تأثيرها المشهود هو إطلاعها الواسع في علم الاخلاق الذي تكاملت بواسطته وانطلقت بأنواره لتكميل غيرها ، وهذا جانب مهم وخطير في حياتها وكان لا بدّ لها منه كمؤمنة رسالية رائدة ومعلمة هادية ، وكانت لها ـ رضوان الله عليها ـ دراية كافية بهذا العلم وقد نذرت نفسها لخدمة هذا الجانب الكبير الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وآله بقوله : » إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق « .

وقد كان همّها أن تقوّم هذا الأمر في شخصيّة المرأة المسلمة التي غدت العوبة اللاعبين وقد أضلوها عن الطريق السوي ، ومشوا بها في متاهات الدروب الملتوية والمسالك الوعرة ، وكانت أكثر كتاباتها ومحاضراتها تتركّز على هذا الأمر . ولكون كلمتها كانت بمنتهى الصدق والإخلاص ، ومن أعماق قلبها كانت كلمة مؤثّرة مغيّرة ، وقد استطاعت بها أن تصنع جيلاً نسويّاً فرض التيّار الإسلامي على الصعيد النسوي ، وفي وسط المجتمع وعلى كل المستويات .

ولقد كان من سجاياها المشهودة والتي حببتها كثيراً إلى الناس سجيّة التواضع الذي رفعها عند الله وعند عباده ، وصيّرها في نفوس المطلعات عليها من قرب ملاكاً يسبّح في السماوات الممتدة من الإجلال والتقدير لها في صدروهن ، وكانت بشاشتها الساحرة تعينها على خصومها فتأسرهن بها ، وتجذب بها قلوب محبّيها ومريديها أشد الجذب ، وهي مع هذه البشاشة الآسرة كانت مُهانة يُعينها الآخرون على أنفسهم ، وكانت تمتلك مهابة جدّها أمير المؤمنين الذي يصرح بأنّه ما لقي عدوّاً إلاّ أعانه على نفسه ، وهذه الهيبة التي كانت تمتلكها الشهيدة هي هيبة الإيمان والتي يمُن بها الله على المجاهدين المخلصين من عباده الذين قرر سبحانه أن يهديهم سبيل التوفيق حين رفعوا لواء الجهاد ) والذين جاهدوا فينا لنهديّنهم سبلنا وانّ الله مع المحسنين ( .

وكانت متميّزة بسكينتها بكلامها ووقارها وطريقة حديثها ونظراتها التي توزعها على الجالسين بكل لطف ورفق بحيث يعرفها من لا يعرفها ، فهي مثال لقوله تعالى ) سيماهم في وجوههم ( .

العجيب من أمر الشهيدة إنّها كانت تجالس الجميع ، وتحل مشاكل الجميع ، وهذا أمر في غاية الصعوبة فهي مرة تكون مع الجامعيات ، ومرة مع الأميات ، ومرة مع الموسرات ، ومرة مع الفقيرات ، مرة مع الفتيات ، ومرة مع العجائز ، تماشي الجميع وترشدهن ، وتعطيهن بمع معرفتها ومواعظها ، وتكلّمهن كلاً بقدر عقلها ومستوى فكرها ، ولقد تعلّقن بها تعلّقاً شديداً وأحببنها حباً جماً . ولم يشاهدن فيها ذلك التصوّر القائم حول المتدينات الملتزمات والذي يعرض المرأة الرسالية وكأنّها جليسة الحجرات ملازمة الصلوات ، وان الإسلام يحتكر المرأة للرجل ويجعلها أسيرة له لا تمتلك من أمرها شيئاً .

الهم الوحيد

لم تكن الشهيدة تمتلك في قلبها إلاّ الهمّ المقدّس ، وهو هم العقيدة ، وقد انصرفت عن كل هموم الحياة الدنيا ومشاغلها ، وكأنّها قد خاطبت الدنيا خطاب جدّها أمير المؤمنين ( يا دنيا إليكِ عني ) فلم تفكّر في نفسها ولم يكن لديها توجّه لذاتها ، وقد عزفت عن الشؤون الإعتيادية التي تهتم بها بنات جلدتها والتي هي أمور أساسيّة في الحياة بالنسبة لغيرها كالزواج والبيت والإستقرار المعيشي مع الزوج المطلوب والتفكير بالمستقبل والحصول على النصيب المفروض للإنسان من متاع الحياة الدنيا .

لم نكن نرى في حياة الشهيدة إلاّ قضية واحدة مركزية هي قضية العقيدة ، وما سواها من القضايا كان هامشياً جدّاً في حياتها ومسخراً للقضية الأولى ، وكمثال على هذا الحقيقة أذكر قضيّة اللباس الذي كانت تحاول أن تجعله موضع قبول الموسرات اللواتي يلتقين بها في بغداد أو في النجف ، فقد كانت فلسفة موقفها في هذا الأمر كما تُبين هي ذلك استخدامه وسيلة جذب وخلق صورة طيّبة عن أمثالها من المؤمنات العاملات في نفوس الكثير من النساء اللواتي يرين في حُسن الملبس لوناً من ألوان الثقافة والذوق ومجاراة العصر ، ومواكبة المدنية ، ومعايشة لروح الزمان ، وكنّ يتصورن إن بنات المتدينين ونساءهم متخلّفات حتى في لباسهن ولا يمتكلن ذوقاً متحضراً ، ولا فهماً لروح المدنية المتطورة التي اتحفت الدنيا بكل جديد من إنتاج ذوقها المتفتّح على الحياة .

لقد فهمت بنت الهدى إنّ هذه الوسيلة هي من الوسائل التي تخدم الغاية المقدّسة فسلكتها لا حبّاً لها ولا رغبة فيها ، بل طمعاً في جعلها مقدّمة من مقدّمات أداء التكليف الكبير ، الذي هو إيصال كلمة الله إلى الأخريات مت بنات الجيل ، وحين تنتفي الحاجة إلى هذه المقدّمة أحياناً ترجع بنت الهدى إلى طبيعة ذاتها الزاهدة العازفة عن زخارف الدنيا فنراها في أبسط لباس ، ونراها توصي المتدينات اللواتي لا يمتلكن دورها ومسؤوليتها ولم يكن لهنَّ احتكاك تبليغي ولا نشاط إرشادي بالزهد والإعراض عن الدنيا ، ونراها تشرح لهن حكمة لباسها الأنيق الذي تظهر به أمام من تريد أن تدخل إلى قلوبهن من الموسرات من خلال الأمر الذي يستهويهن ويرين فيه ميزة محبّبة من ميزات المرأة المتحضرة .

الضمير الحي

عندما جاء خبر اختفاء السيّد موسى الصدر وهو ابن عم الشهيدة بنت الهدى ، وأخو زوجة السيّد الشهيد الصدر ، سادت في بيت الشهيدة حالة القلق والإضطراب والتوجس لاختفاء شخصية إسلاميّة مجاهدة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لأنّ السيّد موسى الصدر كان عضداً قويّاً للشهيد الصدر ، وكان أحد وسائل ضغطه على النظام الحاكم في العراق ، وإن فقدان مثل هذه الشخصيّة خسارة كبيرة للجهاد وجهود الشهيد الصدر ووجوده المبارك في العراق ، وفي أيام هذه المحنة جاءت إحدى المؤمنات التي تعوّدت أن تزور العلوية بنت الهدى كثيراً ، وأن تسألها كثيراً أيضاً حتى كانت الشهيدة تسميها تسمية طريفة ( أم الأسئلة ) وبدأت الفتاة المذكورة تطرح اسألتها المعتادة والصريحة ، و لم تكن تلك الحالة المضطربة في بيت الشهيد الصدر لتسمح للشهيدة بنت الهدى بحسن التوجّه والإجابة ، وأحست تلك الفتاة إنّها قد أساءت الموقف وعدم تقدير الفرصة المناسبة فسكتت على مضض بعدما لاحظت الحالة النفسية التي تعانيها الشهيدة ، وودّعت المكان وانصرفت ، وبعد مغادرتها أخذت الشهيدة هزة عنيفة وأحسّت بأنّها تريد أن تبكي وأخذت تلوم نفسها وعواطفها لأنّها قد اتخذت موقفاً ما كان ينبغي لها أن تتخذه إحساساً منها بعمق المسؤولية وبينت للحاضرات أسفها الشديد للموقف ، ولامت الجو المتوتر والحالة العصبية التي كانت تعيشها بسبب القلق على مصير السيّد موسى الصدر .

ويشبه هذا الموقف موقف روته هي لي ومضمونه إنّ إحدى طالبات المدرسة الدينية للبنات في النجف جاءتها وهي ( أي الشهيدة ) في حالة متعبة من تلك الحالات العصبية التي يعيشها الإنسان الواعي الرسالي في العراق في جوه الخانق، وكانت الطالبة تريد أن تشتكي من أمر ما ، فرّدت عليها الشهيدة بنت الهدى إنّها لا يمكنها الآن أن تتكلم بشيء وكان هذان الموقفان كما صرّحت هي قد أثّرا فيها كثيراً ، وظلت تحاسب نفسها على ما صدر منها في حق ذينيك الفتاتين .

الروح الزاهدة

ذكرت لي ـ رحمها الله ـ إنّ أفضل مجالس العزاء الحسيني التي قصدتها للتقرّب إلى الله واستلهام الدروس والعبر التي أراد سيّد الشهداء أن يسجّلها للتاريخ في وقعته الكربلائية الخالدة ، كان مجلساً لإحدى النساء الفقيرات في النجف وكان متواضعاً وبسيطاً ولم تحضر في ذوات الترف والموضات وعاشقات الأزياء ، تقول إنّها أحسّت في ذلك المجلس بخشوع لم تجده في مجلس آخر ، وإنّها بكت بحالة من الإنكسار الفريد للمأساة الحسينية في ذلك الجو البسيط الذي لو تاسره الزخارف والبهارج الماديّة كانت تحس بالضيق الشديد الذي تكتمه أحياناً وتبرزه أحياناً أخرى بأساليب حكيمة من الحالة البذخية التي تعيشها بعض نساء وبنات الشخصيات اللواتي كن يزرنها بمظاهر ماديّة ملفتة للنظر ، وكان أكثر حديثهن في أمور اللباس والمسائل الترفيهية حتى أمام الحاضرات للدرس عند الشهيدة ، أو لزيارتها للإستماع إلى توجيهاتها وأفكارها ، وكانت تتبرّم كثيراً من هذه الحالة ، وتضمر في قلبها لوعة شديدة من خوضها على أن تخلق هذه المسائل تصوّراً في أذهان الحاضرات بأنّ نساء العلماء وبناتهم ربات بيوت فارغات مشغولات بالأمور الدنيوية التافهة كاللباس والتطريز وغيرهما ، ولا همّ لهنّ بعلم أو بفكر أو ثقافة أو أمور عامة تهمّ المجتمع والإنسانية ، وكانت ـ رحمة الله عليها ـ تتأثر من ذلك كثيراً وتتمنى أن لا يدخل عليها ذلك الصنف من النساء ذوات البطر والفراغ ، وكانت تقطع عليهن أحياناً حديثهن في تلك الأمور بذكاء وحكمة وتحولهن إلى الحديث في أمور هي من شأن أجواء العلم والحوزة والخدمة الإسلامية .

النفس الصافية

كانت الشهيدة طاهرة النفس من الغل والحقد والشنأن ، ولم يلامس قلبها النظيف ألوان المكر والخداع والإلتواء ، ولا حب الذات ، ولا التكبّر والإستعلاء ، ولم نسمع منها طيلة معاشرتنا لها إنّها بادرت إلى غيبة أحد أو انتقاصه بغير عذر مسوّغ شرعي ، وإلى الإستهزاء بشخص ، أو سؤال أو مطلب تطرحه واحدة من تلميذاتها . وكان من أروع سجاياها خلو فؤادها من الحسد فلم ألمس عندها مدة قربي منها أي حالة من حالات حسد الغير وتمنّي زوال نعمتهم ، وتفرّدها هي بالخير دونهم ، كانت تدعو للجميع بالخير وترجوه لهم من الله وتغبطهم عليه بسروو صادق من صميم قلبها وتبتهج له مثل ابتهاجهم وكأنّها جزء منهم ، واذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر وإنّني كلّما تذكّرت هذا المثال تألق في نفسي ذلك الخلق الإسلامي السامي الذي كانت الشهيدة تتحلّى به وهو طهارة النفس من الحسد وصفاء روحها من شوائب حب التفرّد بالمكاسب والإمتيازات وعدم الرغبة في وصولها إلى الآخرين لا سيّما إذا كانت هذه الإمتيازات ممّا تتفرّد به هي وحدها وكان تفرّدها ذلك يخلق لها إكباراً خاصّاً في النفوس ومن طبيعة ذوي الحسد والمتفرّدين ألاّ يسمحوا ولا يرضوا بأن ينافسهم غيرهم فيما تفرّدوا به ونالوا به ما نالوا . أمّا بنت الهدى النقيّة الصافية فإنّها حين تفرّدت بزعامة الكتابة الإسلامية النسوية في الساحة العراقية وحظيت من ذلك بوسام شرف رفيع فإنّ نفسها الطاهرة كانت تحركها وبقوة لدعم كاتبة بدأت تظهر في تلك الساحة ، ولم تتوان عن إسنادها بكل قوة وكتابة مقدّمة لأوّل كتبها ، وكانت تكّثر السؤال منها عن نشاطها الكتابي ، وتبارك لها ، وتلحّ عليها في بذل المستطاع من اجل رفد دور القلم الإسلامي النسوي دون أن ينتابها أي إحساس ممّا ينتاب الأخريات من الغيرة أو الحسد في مثل هذا المورد بل كانت على العكس تنشرح وتُسر أشدّ السرور إذا ما أهدت لها تلك الكاتبة كتاباً جديداً قد طبع لها ، وكانت تعرّفها بين الحاضرات وتطريها وكتاباتها وتعتبر ذلك نصراً لها ، ودعماً لقضيتها وهي القضية اليت تبذل العمر والشباب من أجلها .

طبيب دوار وخلق رفيع

كانت ـ رحمها الله ـ تجسيداً حيّاً مصغراً لدور جدّها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفه أمير المؤمنين بأنّه : » طبيب دوار بطبه « فكانت كثيرة الحركة والتنقّل بين بغداد والنجف والديار المقدّسة بمسؤوليتها العظيمة مسؤولية الهداية ، وكان قلبها ممتلئاً بعشق هذه المسؤولية ، ولم يكن يوجد إلى جنبه في قلبها الطاهر المتمحّض للإسلام عشق لشيء آخر ، كانت دائبة النشاط لا لغرض دنيوي ولا لمتاع أرضي بل لهداية إنسان أو إسناد قضية إسلامية ، أو مساعدة محتاج ، أو إصلاح ذات بين ، أو نفوذ هادف في أوساط المجتمع . وكانت كل خطواتها محسوبة مدروسة في ضمن برنامج ، وكانت في نفس هذا الوقت الذي تبدو فيه مبتسمة منشرحة تحمل في نفسها هم الإسلام العظيم وتطوي بين جوانحها حرارة ذلك الهمّ الكبير وهموم الوضع القائم والإنحراف عن المسيرة التي راح الظلم يُطبق على نهارها ويواري شمسها .

كان بإمكان أي امرأة أن تستفيد من كلماتها وفي أي وقت كان لأنّ كلّ كلماتها كانت هادفة وكأنّ عليها رقيباً من نفسها قبل أن يكون عليها رقيب من غيرها ، وكانت سريعة البادرة قويّة الحس ، وكان ذلك يخدمها كثيراً في مسيرتها الإصلاحية ، ولا أنسى قول إحدى زائراتها عند مغادرتها منزل الشهيدة ( نسينا أن نحضر معنا جهاز تسجيل أو نكتب كل ما قالت ) .

لقد كانت حليمة عاقلة تقابل الإساءة بالإحسان والعقوق بالغفران ، وكانت صامدة راسخة لا تهزّها الرياح العاتية ، ولا تحرّكها الزوابع الضاريّة ، فكانت تشدّ جراحنا وجراح المتعبات بذلك الصمود الزينبي في أيام المحن ، وكنّا نأسو كُلومنا وننسى همومنا في إشراق تلك البسمات عند ادلهمام الخطوب .

والحقّ أقول لقد اجتمعت في شخصيّة الشهيدة من خصال الخير ما لم يجتمع عند الكثير من نسائنا كسمو النفس ، وطهارة الروح ، وعلو الهمّة ، وصفاء الطبع، والمسارعة إلى الخير ، والإيثار والتضحية ، وبشاشة الوجه ، وطلاقة المحيا ، فكانت في هذا مثال المؤمن الذي وصفه الإمام علي عليه السلام ( المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه ) .

السبل الحكيمة

كانت تسلك كل السبل الحكيمة للوصول بدورها التربوي إلى غايته وقد وهبها الله من العقل البصير المتدبّر ممّا أعانها بقوة على تحقيق هدفها المنشود والأمثلة في هذا المجال كثيرة جداً لكنّني أكتفي بذكر مثال واحد وذلك إنّ إحدى الفتيات الجامعيات ممّن يجهلن الطريق كانت تلتقي أحياناً بالشهيدة وكانت ـ رحمها الله ـ تحاول إقناعها بارتداء الحجاب ولكنّها كانت تأبى لأنّ الحجاب معناه في تصوّرها وتصوّر المجتمع آنذاك ( لبس العباءة ) ولذلك تبعات ثقيلة ، منها وصمها بالرجعية والتخلف من قبل أعداء الإسلام ، فما كان من الشهيدة إلاّ أن تقول لها ( ليس الهم أن تلبسي العباءة المهم أن تغطي جسمك وكفى فابدأي بلبس الطرحة والمانتو فهذا يكفي ) قالت هذا في وقت لم تكن بعد موضة المانتو مطروحة كحجاب بصورة واضحة ، وكانت النتيجة أن اهتدت تلك الفتاة ثم حيت تعمق إيمانها لبست العباءة وأصبحت بعد ذلك أحسن بكثير ممّا كانت عليه ، بل وأحسن بكثير ممّن لبسن العباءة من أول الأمر .

بنت الهدى والتسليم لقضاء الله

لقد وقفت بنت الهدى في وجه النكبات والمصائب والمحن بقلب صامد وجنان راسخ وروح صبور وتسليم كامل عند رحيل خالها آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين كانت الشهيدة أسوة حسنة لمن أراد أن يرى التسليم والإنقياد أمام إرادة الله سبحانه متجسّداً في سلوك صاحب المصيبة في ذلك الجو العاصف المليء بالعويل والصراخ وكانت لا تعول ولا تولول ، وكانت توصي القريبات منها أن يرددن ( لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ) وتأمرهن بالاستبشار بما ينتظر خالها الكريم من الخير والبركة برحمة ربّ العالمين ، وكانت تواسي بنتي خالها ثمّ تعود إلى أمها المريضة لتهدئ من ألمها ، وتقرأ على مسامعها آيات العزاء .

ولا يخفى إنّ والدة الشهيدة هي مثال المرأة المجاهدة الصابرة ، وهي ممّن يضرب بهم المثل في الصبر على البلاء ، واحتمال العناء فقد جرى عليها من البلايا والرزايا ممّا لا يطاق من فقد الأولاد صغاراً وكباراً ، والترمل في حداثة السن ، والفقر والحرمان ، ومعايشة ضغوط السلطة الجائرة ، وملازمة المرض والهموم إلى آخر لحظة من عمرها الشريف الذي انطفأت شمعته بعد سنين من رحلة الشهيد والشهيدة .

بنت الهدى ونظرة المجتمع

في المدّة التي قضيناها في مدينة النجف كنّّا نصطدم في كثير من الأحيان باصدقائنا ومعارفنا ، وقد يرون منّا ما ينكرون ، ونرى منهم ما ننكر ويستمر النقاش بيننا حاداً مرةً وليناً أخرى ، وينتهي بفوز طريق الحقّ أو بتوتر حاد بين الطرفين . وأذكر إنّني التقيت ببعض صديقاتي القديمات بعد فراق طويل ، فجرى الحديث بيننا عن أوضاع الساحة والحجاب وضغوط السلطة الحاكمة آنذاك على الملتزمين والمتدينين حيث كان الجو متشنّجاً خانقاً لا يدع للإنسان فرصة النطق فضلاً عن الحركة ، وحين علمت إحدى هؤلاء الصديقات علاقتي بالشهيدة بنت الهدى قفزت كمن لدغته افعى قالت ( إنّ هذه المرأة خطرة ) قلت ماذا تقصدين من هذه الخطورة ؟ قالت ( أنا لا أخاف البعثيين ومطاردتهم وإنّما أخاف منها لأنّها إمرأة معقّدة ورجعية ) فابتسمت لمحدثتي وطلبت منها معرفة الحقيقة عن قرب ، والفحص بنفسها لا الحكم بناءً على الأقاويل والتصوّرات ، ورغبت إليها أن تذهب لزيارة بنت الهدى .

وبعد محاورات جرت بيننا قررت أن تأتي معي بصحبة صديقة لها خريجة كلية الآداب وهي مثل صاحبتها وعلى نهجها في التفكير . وذهبنا سوّياً في اليوم المحدّد إلى بيت الشهيدة حيث كانت ـ رحمها الله ـ موجودة فاستقبلتنا برحابة صدرها وببشاشتها المعهودة حيث يشعر الإنسان من أوّل لقائه بها إنّه صاحب الدار ، وإنّه بيت أهله وأخوته ، وترتفع لديه كل الحجب والعقابيل التي صاغها في فكره قبل اللقاء وبعد انصرافنا وجدت صديقتي قد انقلب تصورها إلى عكسه ، وحلت في ذهنيهما صورة جديدة للشهيدة بنت الهدى ، وراحتا تلعنان التبليغ السيء الظالم الذي كان يلف صورة الشهيدة ويصوّرها إمرأة رجعية قديمة ترفض تطور المجتمع وتمدّنه ، وتخالف الحضارة ورقيها ، وراحت الصورة الكاذبة التي رسمها الإنحراف والإعلام الظالم .

وقد شاء الله أن تعود الأختان بالنور والهداية والندم على ما سلف ، وكان لإحدى هاتين الصديقتين قريب في الحزب الشيوعي ومن الذين قضوا سنين في السجن بسبب الإنتماء لذلك الحزب ، عند ذهابها إلى بيته رآها تقرأ في كتب السيّدة الشهيدة كنت قد أهديتها إياها . تقول الأخت طلب مني تلك وأصرّ على قراءتها في ليلة واحدة ، فاعطيته الكتب وبعد قراءتها قلت له إن السيّد الصدر يذم حزبك ويفضح أساليبه ويعريه من كل محتوى يخدم البشرية فقال ( إنّك لم تذكري لي عزمك على زيارة هذه الأسرة ) قلت : لماذا ؟ قال : إنّني مصمّم على زيارة الصدر مهما كلف الأمر والإعتذار عن أفكاري وأفعالي .

الشهيدة والبداية المرة

وكان ممّا تذكره رحمها الله بأسى ولوعة ذلك الحصار الذي كان يضربه عليها وعلى نشاطها بعض المتحجّرين في بداية نبوغها حتى إنّهم رفضوا أن ينشروا كتاباتها في مجلة الأضواء ، وحين وافقوا بعد الضغوط نشروا لها بإسم رمزوا له ( أ . ح ) يعني ( آمنة حيدر ) .

وخرجت الطبعة الأولى من كتابها الفضيلة تتنصر وقد رمز لمؤلفه بـ ( أ . ح) وقد عانت ألوان المرارات في جهادها لكنّها لم تكل ولم تتراجع ، وقد عبّرت عن صمودها وصلابتها وصبرها على الأذى في ذات الله والحقّ بقولها :

وكل صعب فيك سهل

إسلامنا أنت العزيز

علقم الأيام يحلو

ولأجل دعوتك الكريمة

الدعوة عامّة للجميع

كانت تقيم مجلساً للدعاء في ليالي شهر رمضان وكان المجلس يضم الكثيرات ومن مختلف الطبقات الثقافية والماديّة ، وكان في هذا الجمع بعض النساء العجائز، وكان هؤلاء الأمهات يسألن عن كل شيء ويطرحن حتى الأسئلة الإبتدائية ممّا يثير تذمّر بعض الحاضرات ويتمنين أن ينقطع هؤلاء النسوة عن الحضور معهن في المجلس ، وصارحن الشهيدة بذلك فابتسمت وقالت : الدعوة للجميع ولا أدري ما الذي يضرّكم من حضور هؤلاء الأمهات اللاتي يطلبن المعرفة ؟ وهل هناك سن محدد لطلب العلم والمعرفة ، وهل المعرفة حقّ لأحدٍ دون أحد ، إنّ من شأن المبلغ الصادق أن يفتح قلبه لجيمع الناس وعلى مختلف هوياتهم وثقافاتهم فما ذنبهم حتى يحرموا من النور وقد قدّم الإسلام أوّل شهيد له إمرأة كانت أمّة لأحد المشركين وها نحن نتأسى ونستنير بتلك المرأة وموقفها .

الراحة فداءً للمسؤولية

في إحدى الليالي المتعبة التي كنّا نعيشها في سجن العراق الكبير ، ولا سيّما في مدينة العلم النجف وكان الجو مشحوناً بالتوتر خانقاً عصيباً ، وكان الطالب ـ أي طالب علم ـ يخاف الخروج من بيته ، وكانت حملات تسفير الطلبة الإيرانيين وغيرهم قائمة على ساق ، وأوباش السلطة وسراق الأمان منتشرون في كل مكان،

وكان الإنسان المؤمن هناك يمشي على ركام من الألغام والقنابل ، ذهبت إلى بيت الشهيد الصدر في ساعة متأخرة من اللّيل وكنت مرهقة وبحال مضنية وطرقت الباب وكأني أطرق باب البيت الذي فيه أبي وأمّي دون أي حياء او وجل ، ولم أكن أفكّر إنّ هذا الوقت غير مناسب ، أو إنّ في هذا البيت من يداوي جراحي ويخفّف من آلامي ويأسو كلومي ، وأن فيه من أجد عنده الراحة من المصاعب ، والحلول لما أعانيه من مشاكل ، وفتح الباب حيث كانت زوجة السيّد الشهيد أم جعفر ، وكانت لم تزل مستقيظة وفي طريقها إلى النوم استقبلتني وكأنّها عرفت ما في نفسي وما يخالجني ورحنا نتكلّم بهمس لئلا نوقظ النائمين  ، وفي هذه اللّحظة أحسست بوقع أقدام على السُلم فإذا أنا وجهاً لوجه أمام الشهيدة بنت الهدى وقد بدا عليها إنّها كانت نائمة ، عندها خجلت من نفسي لأنّي سببت هذا الإزعاج لكنّها أكّدت إنّها لم تنزعج بل أبدت ارتياحها وإهتماهها بمجيء ، وبعد ذلك طرحت الأمر الذي جئت من أجله في هذا الوقت .

اللقاء الأخير

لقد حصل لي آخر لقاء مع الشهيدة بنت الهدى قبل أن يغلق الباب على  الشهيد الصدر وأهله ، ويحاصروا حصار جدّهم في شِعب أبي طالب ، كان ذلك اللقاء بعد عدّة أشهر من الفراق وامضيتها في مسؤوليّة عمل كانت هي على علم بها في مدينة ( …. ) وقد جاءتنا الأنباء باعتقال الشهيد (رض) وبموقف الشهيدة في علمية الاعتقال . خرجت صباحاً من تلك المدينة مع إحدى المجاهدات العاملات لزيارة الشهيدة ، وكنّا نتوقّع أن يحيق السوء بنا من زمرة الإجرام التي رأت ذلك البيت الشامخ مصدر الخطر الذي يتهدد وجودنا ، وينذرها بالزوال ، وقد أنذرنا السائق الذي أستأجرنا سيارته وكان من محبي الإمام الشهيد الصدر وقال لنا عند ركوب السيارة ( هل كتبتم الوصيّة ) .

عند وصولنا مدينة النجف الأشرف اندفعت وبسبب نفاذ الصبر إلى الإستعلام من أحد البقالين المجاورين لبيت الشهيد واسمه ( ….. ) عن آخر الأوضاع فقال لي بهمس وخوف ( قد أُفرج بالأمس عن السيّد بحمد الله ) .

وبعدها ذهبنا إلى منزل الشهيد حيث وجدنا الشهيدة وأمّها وكان لنا لقاء حافل بالأشواق والعواطف .

لقد كانت الشهيدة تتوّقع الكثير من الأمور التي حلّت بهم فيما بعد ، وكانت تردد على مسمعي مضامين من قبيل ( إنّنا يجب أن نشدّ عزائمنا للمستقبل ، ويجب أن نسعى سعي أمهاتنا المجاهدات ، ونتحمّل ما تحملته سميّة وأمثالها من عذاب ومشاق حتى الشهادة ، ويجب ان نتوّقع ما لم يكن في الحسبان ، إنّني لا أرى هؤلاء يكفّون عنا ) وراحت تشرح لنا ما حدث لأخيها الشهيد عند اعتقاله وخروجها بعده وخطابها في الزمرة الظالمة التي اعتقلته ، وكيف إنّها لم ترجع إلى البيت حتى أمرها الشهيد بالرجوع فرجعت وقد نكّس الجلادون رؤوسهم خجلاً من موقفهم الدنيء . وقد كان لي ولصاحبتي شرف اللّقاء مع الشهيد الصدر رضوان الله عليه بحضور أمه وأخته ، وكان من طيب أخلاقه وسمو تعامله معنا وحديثه الرائع لنا والذي غذى أرواحنا وقلوبنا ما التصق بالذاكرة التصاق أحب الأشياء والأحداث الى النفس وأقدسها إليها وقد قام لنا مستقبلاً ثمّ قام مودعاً مبيناً بأدبه الجم وشمائله الرفيعة منزلة المرأة في الإسلام ، وإكباره لدورها في الحياة ومكانتها في المجتمع ، واعتزازه ه ـ رضوان الله عليه ـ بها ، وقد أوضح هذا الإعتزاز في جزء من كلامه معنا عندما بيّن دور المرأة المسلمة العراقية ضدّ طغاة بغداد وما عليها أن تفعله في هذا المسير الجهادي وعندها قالت الشهيدة موجّهة خطابها إليَّ : ( المأمول منك أن تكتبي لنا عن نساء العقيدة في العراق ) .

لقد دُهشت الأخت التي كانت معي من رؤيتها الشهيدة ، وبلقائها بأخيها الإمام الشهيد ، وكانت تعتبر ذلك اليوم يوماً مشهوداً في حياتها لأنّه جاءها بأهمّ حدث فيها ، وقد تزودّت من كلام الشهيدة وما شرحته من مواقفها ضدّ الطغاة بأهمّ زاد تتزوّد المرأة الرسالية على طريق العمل والتضحية في سبيل الله .

حصانة العمل وصمام الأمان

وكان من مواصفاتها الرائعة التكتّم الشديد على مسائل العمل ، وضبط لسانها بدقّة متناهية عن الخوض في الأمور التي تضر بالحركة الجهادية التي تباشرها هي ، أو عن الأمور التي تعلمها من نشاط أخيها الشهيد الصدر ممّا لا يصح البوح به أمام الآخرين .

لقد كانت في هذه الأمور صندوقاً مقفلاً لا تفتحه إلاّ بحذر شديد ، وفي ضرورات العمل وعند خواصّها اللاتي تعتمدهن بحقّ وحكمة كاعضادها في جهادها .

إنّ الإنسان تستفزّه أحياناً في حديثه مع الآخرين حالات تجعله يبوح بالبعض أو الكثير من الخصوصيات ، أو تضطره بعض الظروف للحديث عن أمور خاصة لا ينبغي الخوض فيها على أية حال ، أو تنتابه بسبب الغفلة أو البساطة أو سرعة اطمئنانه تجعله ينفتح على الآخرين ، ويعاملهم معاملة الخواص ويخلع لباس المحاذرة ، ويدخل مغلوباً على عقله فيما لا يجوز الورود فيه من القول ، أمّا بنت الهدى المهذّبة والتي تكاملت بكمال الإسلام وتربية رائد مدرسة الفضائل العالية فإنّها كانت طيلة صحبتي لها في غاية الحذر وكأنّها قد وضعت نصب عينها قوله سبحانه ) خذوا حذركم ( . وما دامت هي تعلم أسرار أخيها مستهدفة بقوة من قبل عناصر الرصد البعثي لذلك كانت حكمتها وبصيرتها في منتهى المقاومة والصمود والإحتياط .

كانت بعض الحاضرات اللواتي لا تعرف عنهن الكثير ممّا يوجب السكينة اليهن يطرحن أسئلة مريبة ويتساءلن عن أمور خاصة أو يحاولن ان ينفذن من خلال الأحاديث التي تسود المجلس ، ولكن هؤلاء الحاضرات يرتطمن بجدار حديدي من السريّة ، وتتحطم كل مساعيهن للنفوذ ، وربما يكون هناك مساعي من هذا القبيل لم تحصل أمامي ولا أمام غيري بل أمام الشهيدة فقط استهدفها بها النظام بواسطة بعض عناصره الخبيثة في البيت أو في الشارع أو في السيارة أو في المدرسة أو في أي مجال آخر يمكن لعميلاته أن يلتقين بها ويتحاورن معها . وبقيت الشهيدة في كل تلك الموارد صخرة الصمود التي تهشَم عليها رأس المكر الساعي إلى النفوذ إلى ما في قلبها أو قلب أخيها من خلالها فعاد بالخيبة والخسران .

وكانت توصينا بالحذر والكتمان وتحذرنا من الأشخاص الذين لا نرتاح إليهم وإن ظهروا بسيماء الصالحين .

وممّا أذكره هنا إنّ امرأة كانت تزور بيت الشهيد وتحاول جهدها أن تقدّم خدمة لهم وتسارع في ذلك ، وكنّا لا نشك طرفة عين في هذه المرأة بل نحترمها ، ونثق بها ، وحدث أن احتجت إلى دخول المستشفى وكنت بحاجة إلى من يرافقني فأبدت هذه المرأة إستعدادها لمساعدتي ، والحقيقة إنّني فرحت بذلك كثيراً لأنّني وجدت ضالتي ، لكنّني اصطدمت بأمر الشهيدة الذي ينهاني عن اصطحاب هذه المرأة ، وعجبت أشدّ العجب لهذا النهي ، فانصرفت عن الأمر .

وتمضي الأيام وينكشف النقاب عن تلك المرأة ونتبيّن حقيققتها التي كانت تتكتم عليها وإنّها من الذين يساعدون النظام ويعطونه المعلومات عن الواردين إلى بيت السيّد الشهيد الصدر .

وعدت فصدقت الوعد

ما سمعته منها وقرأته لها حتى في شعرها قول كانت تدرددبه وكأنّه يخرج من أعماق قلبها ويقرأ في السامع أنفسا التصميم القاطع ويرى لهجة الصدق قويّة شامخة تؤذن بالتحقّق وتنبئ بالوقوع ، كانت تقول ( لا أريد أن أهرم ويترك الزمان عليّ أثره بل أنا التي تترك عليه أثرها ) . قالت والزمان نافر جامح قد أبى بعوامل سلطته ونفوذه إلاّ أن يقهرها ، ويغلب إرادتها ويجعلها تسلس لأمره ، وتسلم قيادها له ، وقد أجلب لهذه خيله ورجله ، وأعدّ عدّته وشحذ أسلحته ، لكنّه حين واجهته بنت الهدى بقوة الصبر ، وصلابة التجلد ، وصمود الاحتمال ، واقتدار الاحتساب ، والتوّكل على الله وشموخ اليقين ، استخذى استخذاء المستسلم الذليل وأسلم معصميه لأغلال الهوان معترفاً  لدى ( بنت الهدى ) وأباح لها أن تترك عيله أثرها الذي أرادته فسجلت على جبينه نصرها المؤزر وسجل لها هو بميسم الذل اعترافه بالاستسلام ، وكان سعيه معها ليترك أثره علهيا كدبيب نملة على صفوان ، أو رمي حجر في وجه بركان ، لقد قالت وكانت عند قولها :

لكي يثبط ليَّ عزماً

قسماً وان جهد الزمان

بأن يريش إليَّ سهماً

أو حاول الدهر الخؤون

تكيل آلاماً وهماً

وتفاعلت شتى الظروف

بأفق فكري فادلهما

فتراكمت سُحب الهموم

وإن غدت قدماي تدمى

لن انثني عما أروم

فغايتي أعلى وأسمى

كلا ولن أدع الجهاد

إستغلال الوقت للأمور المهمّة

كنّا نقيم بعض المجالس في فترات متباعدة وتكون الجلسة كل مرة في بيت إحدى الأخوات المؤمنات ، وبديهي إن مضيفة الجلسة تستعد لها وتقوم بتهيئة المكان وإعداد ما تقدمه للحاضرات حسب ذوقها وانطباعها عن الجلسة وكنّا في يوم من الأيام في بيت الأخت ( …. ) وكانت من اللواتي يتأثرن كثيراً بالشهيدة ويستمعن لنصائحها ، وكان إعدادها للحاضرات متوسطاً ، وفيما هي تقدّم لهن ما أعدت قالت لها الشهيدة وبطريقتها المعهودة من التبسّم ولين الكلام ودماثة الخلق ( ليتك في هذا الوقت الذي بذلتيه في إعداد الساندويچ والكيك وإعداد الشاي كنت اكتفيت بتهيئة الشربت والشاكولات وصرفت وقتك الثمين في إعداد موضوع هادف تطرحينه على الحاضرات فلا يضيع وقتهن سدى ، ويرجعن إلى بيوتهن بمنفعة حقيقية وفائدة واقعيّة ) وبهذا أرادت بنت الهدى أن تعطي درساً كبيراً وموعظة ناجحة عن الطريقة التي ترتب بها الجلسات والحفلات واللقاءات المثمرة والمرضية عند الله وتلك هي التي يغمرها ذكر الله والعمل الصالح ، والتواصي بالحقّ والصبر . لقد كان وقت بنت الهدى كلّه للخير وكانت تسعى جهدها أن تشغله بالأمور المهمة والقضايا الكبيرة ، وبتحصيل العلم ، وتنوير العقل ، ويلازمها هذا الشغف المشهود بالمعرفة حتى في المطبخ حين نراها تلازم كتابها فيه وتصطحب المصادر التي تطالع فيها لغرض التأليف إلى ذلك المكان كي لا تضيع منها دقيقة واحدة بعيداً عن عالم الكسب الحقيقي وحصاد الخير الواقعي .

لقد كان كل وقتها ونشاطها للعبادة الصادقة ، ذكر الله ، وتحصيل العلم ، ونشر الهداية والمعرفة ، والسعي الحثيث في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله حقّ جهاده ، وتعريض النفس للمحن والصعاب فداءً للقضية المقدّسة قضيّة الإسلام  .

انتهى ما أردنا نقله عن الأخت الفاضلة المجاهدة أم تقى الموسوي حفظها الله وشكر لها سعيها .

[1]  ـ بطلة النجف : ص74 .

[2]  ـ جريدة المنبر العدد 24 ص7 ـ لندن .

[3]  ـ المصدر السابق .

[4]  ـ جريدة المنبر العدد 24 الصفحة 11 ـ لندن .

[5]  ـ مقال تحت عنوان ( أي كنز ثمين فقدنا ) بقلم أم أنور الهدى نشرته مجلة المنبر الغراء العدد 24 الصفحة 7 بتصرف يسير .

[6]  ـ لاحظ سنوات المحنة وأيام الحصار ص 117 .

[7]  ـ لاحظ سنوات المحنة وأيام الحصار ص119 ـ 121 .

[8]  ـ كنت قد طلبت من السيّدة أم تقى الموسوي ـ وهي إحدى تلميذات الشهيدة بنت الهدى والمقرّبات منها ـ تزويدي بما عندها من مذكّرات وخواطر عن شهيدتنا الغالية فاستجابت مشكورة فكتبت هذه المذكرات القيّمة . وكان عزمي أن أضع كل مقطع منها فيما يناسبه من كتابي إلاّ إنّي وجدت إنّ طباعتها كما هي أكثر فائدة للقارئ لأنّها تعكس صورة صادقة ودقيقة عن الشهيدة بنت الهدى ، وهو ما أستهدفه أساساً ، كما أن تجزئتها قد تؤثر على بريقها وجاذبيتها وتأثيرها فآثرت طباعتها كما هي ـ مع تصرف يسير ، وهي مذكّرات خطية أحتفظ بها ولم تنشر من قبل .

About سید محمد هاشم پوریزدانپرست

دانشجویان مسلمان پیرو خط امام تسخیر لانه جاسوسی

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

شما می‌توانید از این دستورات HTML استفاده کنید: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>