مطالب تصادفی

الشهیده بنت الهدی صدر

الشهیده بنت الهدی صدر

مرحومه بنت الهدی صدر

ولادتها ونشأتها :

ولدت بنت الهدى الخالدة آمنة بنت آیة الله السیّد حیدر الصدر ( بنت الهدى ) عام ۱۳۵۶ هـ ۱۹۳۷ ـ فی مدینة الکاظمیة ، فی بیت عریق فی العلم والجهاد والتقوى .

کانت أصغر شقیقیها واختهما الوحیدة .

ولم یختلف حالها عن حال باقی أسرتها فی مکابدة الفقر والحرمان ، وتحمل الصعاب والمشاق ، بروح غمرها الإیمان والقناعة بأدنى ضروریات الحیاة .

لم ترّ بنت الهدى أباها ولا تتذکره کما أعلم وکأنها ولدت یتیمة ، إلاّ أن الله عزّ وجلّ عوضها عن ذلک بأخویها المرحوم السیّد إسماعیل الصدر وشهیدنا الغالی السیّد الصدر ـ رضوان الله علیهم جمیعاً ـ فقد أغدقا علیها حناناً ومحبة تقوق ما یتوقع الیتامى ، وربیاها بما لم یُرِب أب فلذة کبده .

تعلمها القراءة والکتابة

تعلمت الشهیدة بنت الهدى القراءة والکتابة فی البیت على ید والدتها ـ رحمها الله ـ فکانت هی المعلّم الأوّل ، تُرویها المحبة والحنان والرعایة ثمّ العلم والمعرفة.

کانت والدتها ـ رحمها ـ تُثنی على ذکاء ابنتها وقدرتها على التعلم والاستیعاب والفهم ، وتقول إنها لا تنسى ما أعلمها .

ثم استکملت مراحل تعلیمها القراءة والکتابة على ید أخویها ، وشمل ذلک علوم العربیة فی أکثر جوانبها ، حتى تمکنت من کتابة الشغعر فی السنوات المبکرة من عمرها .

النضوج العلمی والدینی

نضجت شخصیتها العلمیة والدینیة على ید أخیها سیّدنا الشهید الصدر ـ رضوان الله علیه ـ فوصلت إلى درجات عالیة من الکمال والتقوى والعلم والمعرفة .

وما من شک إن للبیئة والمحیط تاثیراً کبیراً على نشأة الإنسان وتربیته ، سلباً أو إیجاباً ، إلاّ غننی من خلال معرفتی للشهیدة بنت الهدى اعتقد إنها کانت تمتلک من المقومات الشخصیة ما تجاوزت به تلک المؤثرات ، فلا اعتقد أن للبیئة والمحیط کانا السبب الأوّل فی صیاغة شخصیة الشهیدة بنت الهدى ، بل ما کانت تتمتع به من مقومات وخصائص جعلتها ترقى مدارج الکمال بسرعة کبیرة ، واستطاعت أن تتجاوز ظروفها فی الزمان والمکان إلى مراحل متقدّمة فکانت ـ بحق ـ رائدة ونمزذجاً رائعاً للمرأة المسلمة الورعة المثقفة المجاهدة المدرکة لمتطلبات الحیاة .

کانت الشهیدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ حریصة على تثقیف نفسها ثقافة إسلامیة رفیعة ، سو اء فی مراحل حیاتها الأولى ، أو فترة ما قبل الأستشهاد .

فتمکّنت من توسیع أفق ثقافتها توسعاً شاملاً متعدد الأبعاد ، ولعل کتاباتها فی مجلة الأضواء فی تلک الفترة (۱۹۶۶) تعکس لنا جوانب من تلک الأبعاد ، وکذلک العمق والأصالة والنبوغ ، ذلک إن مجلة الأضواء التی کانت تصدرها جماعة العلماء فی النجف الأشرف لم تکن منبراً إلاّ للنتاجات المتمیزة فقط ، وکانت بنت الهدى ـ رحمها الله ـ من أبرز مَن کتب فیها بل کانت الرائدة الأولى فی الکتابة والتألیف ولم نعهد قبل الشهیدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ کاتبة إسلامیة متمیزة فی کتاباتها عمقاً وأصالة ووعیاً فی النجف إن لم نقل فی العراق کله ـ رغم المضایقات التی تعرّضت لها بسبب ذلک ـ ولما تمیزت بها کتاباتها فی مجلة الأضواء من متانة کان البعض یتصور إن المقالات التی توقع باسمها إنّما هی للسیّد الشهید الصدر رضوان الله علیه .

أما دراستها الحوزویة فیجب أن نعلم أنّ الأعراف فی النجف لم تألف الدراسات النسویة الحوزویة ، وخاصة علمی الفقه والأصول ، إلاّ إن الشهیدة بنت الهدى تجاوزت هذا الحاجز فدرست شطراً کبیراً من علمی الفقه والأصول عند أخویها الکریمین السیّد إسماعیل الصدر والسیّد الشهید الصدر ـ رحمهما الله ـ .

والحقیقة لا توجد لدیّ فی الوقت الحاضر معلومات تفصیلیة عن دراستها هذه ، والمستوى الذی وصلت إلیه ، إلاّ إننی أعلم إنها کانت فی فترات ما بعد الظهر وفی إغلب الأیام تناقش السیّد الشهید فی بعض المسائل الفقهیة والأصولیة وخاصة کتاب المکاسب واستمرّ ذلک حتى فترة قریبة قُبیل الإحتجاز .

والذی یمکن أن أقطع به إن الشهیدة بنت الهدى کانت ضلیعة بقدر کبیر من الأحکام الفقهیة عموماً . فقد کانت ملاذاً للکثیر من المؤمنات لمعرفة الأحکام الشرعیة ، کما کانت المرشدة الدینیة للنساء فی الحج ، ومن المعروف إن مسائل الحج وأحکامه من أصعب وأوسع الأحکام الشرعیة .

الذکاء والفطنة

وتمتاز الشهیدة بنت الهدى بذکاء وفطنة مکّناها من القدرة على الإستیعاب المتقن لکل مجالات العلم والمعرفة التی خاضتها ، ولا أغالی إذ قلت إنّ السیّد الشهید ـ رحمه الله ـ کان مُعجباً بذکاء أخته وفطنتها وقدرتها على الإستیعاب ، وقد لاحظت ذلک مرّة من خلال مراجعتها له فی بعض مطالب ( المکاسب ) والمکاسب کتاب فقهی للشیخ الأنصاری ـ رحمه الله ـ یدرسه طلاب العلوم الدینیة فی مرحلة ما قبل بحث الخارج ، حتى إن بعض العلماء کان یقول إن من یتقن المکاسب ویفهمه بشکل تام یستحق إجازة الإجتهاد ، وهذا الکلام تعبیر عن مدى أهمیة هذا الکتاب لما فیه من مطالب علمیة معمقة ومعقدة .

ولست أعرف شیئاً عن کیفیة دراستها لهذا الکتاب المهم أو غیره من الکتب الفقهیة والأصولیة إلاّ إننی أعتقد إن استجابة السیّد الشهید ـ رحمه الله ـ لها وتجاوبه معها فیما تستفسر عنه أو تناقش فیه دلیل على المرحلة العلمیة المتقدّمة التی وصلت إلیها ، وإلاّ فإن من عادة السیّد الشهید صرف الأشخاص الذین یخوضون فی مطالب علمیة لیست بمستواهم أمّا بالسکوت وعدم التجاوب ، أو بنصحهم لما فیه نفعهم ، وهذا ما لم یحدث مع أخته ـ رحمها الله ـ ممّا یدل على اعتقاده الکبیر بمستواها العلمی .

تروی السیّدة أم فرقان فی کتابها ( بطلة النجف ) عن الشهیدة بنت الهدى ما یلی : » وهناک حدیث طریف إنّ الشهیدة قالت :

فی إحدى الجلسات مع السیّد وبین یدیه کتاب فلسفتنا محاولاً شرحه وتبسیطه وبیان بعض غوامضه قلت له : سیّدنا أین أنا منکم … أنا لا أصل إلى درجة من درجات علمکم وفلسفتکم … إن الفلسفة معقّدة ولها أهلها .. وأنتم أهل لها .

أجابنی قائلاً : لا یهم أنتم أقدر منی .

أجبته : وکیف ؟

فقال : أنت تکتبین الشعر ، وأنا مع حبی للشعر وتذوقی له ، وقدرتی على صیاغة الأسلوب البلاغی … وقد حاولت إلاّ إنی ما استطعت أن أکتب بیتاً واحداً … إنها موهبة وأنت فی هذا المجال أقدر منی .. « ([۱]).

الوعی والفهم الإجتماعی

ومن جانب المهمة فی شخصیة الشهیدة بنت الهدى وعیها المتمیّز وفهمها العمیق لمسیرة الحیاة الإجتماعیة والثقافیة والسیاسیة .

وأعتقد إن القلیل من الناس وحتى المقرّبین منها لا یعرفون الکثیر عن هذا الجانب من حیاتها بسبب الظرف الإجتماعی الذی کان لا یسمح بالإفصاح عن الکثیر ممّا یجب أن یُعرف عنها ویساهم مع الظرف الإجتماعی الظ  روف السیاسیة القاسیة التی کانت تطوق هذا المَعلَم ، من حیاتها المبارکة ، ولست مبالغاً إذا قلت إنّها جاءت فی زمان غیر زمانها ، بل وعاشت فی مجتمع تفنن فی ظلمها فکانت ضحیة هذا اللون من  الإظطهاد وعدم الفهم .

ولعل من ابرز معالم هذه السمة فی شخصیتها ما یلی :

أوّلاً : مساهماتها الفکریة والثقافیة

مساهماتها الفکریة والثقافیة فیما کتبته فی مجلة الأضواء التی تصدرها جاعة العلماء فی النجف الأشرف ، ومؤلفاتها الأخرى القصصیة وغیرها .

لقد أدرکت الشهیدة بنت الهدى إن المجتمع النسوی العراقی بحاجة إلى یدٍ أمینة تمتد إلیه ، وقلب طاهر مؤمن یرکن إلیه ، وفهم جدید للفکر والثقافة الإسلامیة .

ومن المعروف إن الجهات الدینیة المتصدیة فی العراق لم تهتم بالمرأة العراقیة إهتماماً مناسباً ، ولعل المناسبة الوحیدة التی تتوفر له هی مجالس العزاء الحسینی خلال شهری محرم وصفر التی تشدّها إلى دینها وقیمها ، وهذه أیضاً غیر مستثمرة بالشکل الصحیح والمناسب ، فلو لاحظنا المجالس الحسینیة النسویة وما یُتلى فیها من مواضیع وأشعار وخاصة فی تلک الفترة من ( ۱۹۶۰ إلى ۱۹۷۰ م ) لوجدنا إن السطحیة وعدم الهدفیة هی الطابع الذی یمیزها ، وبکلمة مختصرة نقول إنها غیر قادرة على تحقیق الحد الأدنى من الثقافة الإسلامیة المطلوبة .

وفی المقابل نجد إن الأنظمة التی حکمت العراق وخاصة سلطة البعث المجرمة إستغلت الإهمال الکبیر والفراغ الهائل للسیطرة ثقافیاً وسیاسیاً على المرأة ، من خلال قنوات استیعاب فعالة کاتحاد النساء والجمعیات المختلفة والمدارس والجامعات وما فیها من اتحادات للطلبة ، وهی کلها تستهدف المرأة فی ثقافات إباحیة والحادیة ومعادیة للدین .

وإذا لاحظنا الکتابات الإسلامیة التی تستهدف المرأة المسلمة ثقافیاً وتربویاً فسوف نجد فراغاً کبیراً لیس من الیسیر ملؤه إذ لا توجد کاتبات ولا کتابات إسلامیة موجهة للمرأة تعالج مشاکلها الدینیة والإجتماعیة وتنهض بها ثقافیاً وسیاسیاً ، وتخلق فیها حالة من الوعی لما یجری حولها یحصنها من الإنحراف والضلال ، من ملاحظة تلک الأمور یمکن أن ندرک أهمیة الوعی الذی امتازت الشهیدة بنت الهدى والذی جعلها تُقدم على خطوة جریئة ورائدة فی مجال الکتابة والموجّهة والهادفة لتثقیف المرأة المسلمة بما یضمن لها کرامتها ویحصنها من الإنحراف والضیاع .

ثانیاً : التدریس والتثقیف

إقامتها لحلقات التدریس والتثقیف الدینی فی النجف والکاظمیة وبغداد وکان ذلک على مستویین ، المستوى الأوّل کان ثقافیاً عاماً فی دائرة واسعة ـ تناسب تلک المرحلة ـ الهدف منه توجیه أکبر عدد ممکن من النساء لمعرفة دینهن وإسلامهن.

والمستوى الثانی کان خاصاً یستهدف تربیة وتثقیف جیل من المربیات الطلیعیات ثقافة حوزویة عمیقة لمواصلة المنهج الذی اختطته الشهیدة بنت الهدى إیماناً منها بأن عملیة التغییر تحتاج إلى طاقات متعدّدة وفعّالة وکانت الشهیدة تقول :

» إننی سعیدة فیما توفّر لی من ظروفٍ خاصةٍ مکنتنی من الطموح لبناء جیل من المؤمنات المربیات اللاتی یمکنهن خدمة الإسلام بأفضل ما یمکن ، فأنا وبفضل الله تعالى بقرب أخی أحصل منه على التوجیه فی کیفیة العمل والرؤى الصحیحة والمناسبة من جانب ، وعلى الثقافة المعمقة والفهم الصحیح للإسلام من جانب آخر فارجع إلیه فی کل ما یصعب علیَّ وأحصل منه على أفضل ما یکون وخاصة فی المسائل الفقهیة والفکریة وهذه نعمة کبیرة یجب أن أشکر الله علیها .. « .

کانت ـ رحمها الله ـ دائبة فی اداء هذه المسؤولیة والواجب المقدّس فاستطاعت فی فترة زمنیة قیاسیة إعداد ثلة من المؤمنات المخلصات القادرات على التوجیه والتربیة الإیمانیة ونشر الوعی الثقافی الإسلامی .

ثالثاً : التفرغ للجهاد والعمل الإسلامی

وقد حرصت بنت الهدى على التفرغ الکامل للجهاد فی سبیل الله تعالى والعمل لخدمة دینه وهذا ما جعلها تغزف عن الزواج الذی کان سیحدّد حیاتها التی أرادت لها أن تحقّق هدفاً أکبر ممّا ألِفته النساء من آمال وطموحات فی زوج وأولاد .

وإنی على یقین ممّا أقول ولا أعلم سبباً غیر هذا حال بینها وبین الزواج ، ولیس هذا غریباً على أهل البیت علیهم السلام وأحفادهم فلها مَثَل بسکینة بنت الإمام الحسین علیه السلام التی عزفت عن الزواج لأن الإستغراف مع الله غلب علیها ، کما جاء فی بعض النصوص .

ویجب أن نقدّر هذه الرؤیة التضحویة فی شخصیة السیدة الشهیدة بنت الهدى وما تمثل من إیمان عمیق وأهداف کبیرة تتجاوز الذات والهموم الفردیة الخاصة وتمتد إلى التضحیة بالذات من أجل الأمّة والمبادئ والقیم .

رابعاً : السلوک الشخصی الهادف

کل من یعرف الشهیدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ یعرف فیها النموذج السلوکی المثالی الرائد للمرأة المسلمة ، فهی حقاً القدوة الصالحة التی لا تعرف نفاقاً إجتماعیاً أو سلوکیاً بل تجد الصدق والإخلاص والإیمان العمیق بالمبادئ الأخلاقیة الإسلامیة فی مجال التطبیق والممارسة ، هی السمة البارزة فی هذا الجانب من حیاتها .

وما من شک إن السیدة الشهیدة کانت تستهدف بسلوکها خدمة الإسلام على اصعدة متعدّدة ومجالات مختلفة .

فهی أوّلاً : تمکنت من الإنعتاق من فکرة إنّها بنت البیت العلمی والدینی التی تجعلها تشعر إنّها أفضل من الآخرین ویساعدها على ذلک احترام الناس وتقدیرهم الذی یعزز تلک الرؤیة لدى السذج . وهی فکرة غیر صحیحة ومقیاس یخالف مقیاس الإسلام الذی یقوم على أساس ) إن أکرمکم عند الله أتقاکم ( .

وأعتقد إن الشهیدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ لم یخالط تفکیرها شیء من هذا القبیل ، بل کانت تنتقد الظواهر القائمة على هذا الأساس وتحاول إصلاحها بما یتطابق مع المبادئ الإسلامیة .

وما من شک إن کل من رأى السیّدة الشهیدة لم یلحظ فیها سلوکاً قائماً على أساس إنّها بنت البیت العلمی والدینی ،  الذی یمنحها مکاسب قهریة یمیزها عن الآخرین ، فلا کبر ولا غرور ولا استعلاء ، بل یجدها متواضعة بسیطة تحترم الناس أضعاف احترامهم لها وتحبهم أضعاف حبهم لها .

فکانت بنت الهدى بما تمتلک من إیمان قوی ووعی کبیر تضرب الأمثلة الرائعة، فتجدها مع الفقراء والبسطاء ، ومع زوجات الطلبة تتفقدهن وتجالسهن وتعالج مشاکلهن ، والکل واقع تحت تأثیر خلقها المحمّدی تقول عنها السیّد أم نور الهدى :

» تذکر الأخت صاحبة اللقاء الوحید معها ، من جملة الالتفاتات البسیطة فی لقائها بالشهیدة والتی کانت لها دلالات عمیقة تکشف البعد الرائع لشخصیتها ـ قدس الله روحها الطاهرة ـ إنّها فی بدایة لقائها تقول تلک الأخت إنی ذکرت لها إسم إمرأة من عائلة الصدر قائلة لها : علویة إنّها تقرب لوالدتی على ما یبدو ومن جهة الأم .

وبابتسامة عذبة وذکیة اجابتنی بما معناه : المسلمون کلهم أقاربنا .

اللقاء کان فیه مجموعة من الأخوات ما أرادت الشهیدة لحظتها أن تحسس بقرب أحدنا على الأخرى «  ([۲]).

وثانیاً : جسدت بنت الهدى ـ بصدق ـ الخُلق الإسلامی الرفیع ، فکانت نموذجاً رائعاً للمرأة المسلمة المنصهرة بعقیدتها المتمسکة بدینها .

ومن من شک إن هذا الإیمان العمیق منحها القدرة على التأثیر فی مجال التبلیغ تطبیقاً لقول الإمام الصادق علیه السلام : ( کونوا لنا دعاة بغیر ألسنتکم ) فأصبحت نموذجاً فریداً فی قدرتها على التأثیر بسلوکها دون قولها ، وکانت ـ بشهادة الکثیر من المؤمنات ـ تشد إلیها کل من رأتها ، تبهرها بسلوکها وأخلاقها وکیفیة تصرفها ، تقول عنها الأخت أم نور الهدى :

» حدثنی صاحبتی ذات اللقاء الوحید معها فقالت :

ونحن فی طریقنا إلى بیت الشهیدة الطاهرة سألتنی قائلة : کیف تتصورین شکلها وأنت بعدُ لما ترینها ؟

اجبتها بصدق : إنی اتصورها کمریم العذراء سلام الله علیها فی قدسیتها .

ثمّ تستطرد صاحبتی هذه بقولها : وفعلاً ما إن التقیت بالشهیدة حتى کأن الصورة التی أحملها فی مخیلتی عنها منطبقة على وقعها ، فحدثتها بالمحاورة التی جرت بینی وبین رفیقة الطریق ، وحینها ردت ـ قدّس الله روحها الطاهرة ـ قائلة : أین نحن من مریم سلام الله علیها .. « ([۳]) .

وأنا على یقین إن حجم التاثیر الذی خلفته بنت الهدى فی نفوس من عرفنها عن قرب معرفة شبه تفصیلیة یجعل الدموع تنهمر من دون إرادة عند ذکرها فلیس سهلاً أن تنسى الذاکرة نموذجاً قد لا یتکرر بنفس السمات والمواصفات .

وکمثال لحجم التأثیر أسجل النماذج التالیة لنساء عرفن الشهیدة بنت الهدى وما تمیزت به شخصیتها من جاذبیة وتأثیر .

کتبت الأخت ابتهال البغدادی ([۴]) . مقالاً بعنوان ـ بنت الهدى شهیدة محراب العقیدة ـ نقتطف منه ما یلی :

» أتحدث عن بنت الهدى الإنسانة الحساسة التی کانت تحمل هموم الأمة ، والتی ذابت فی الناس وعاشت آلامهم ومآسیهم ، فتفقدت عوائل الشهداء وزارت بیوت الفقراء وطببت جراحاتهم .

اتحدث عن تلک الإنسانة المؤمنة ذات الأخلاق الحلوة ، ونسیم التعامل اللطیف الطیب .

کانت تفی بالعهد وتلتزم به حیث » إن العهد کان مسؤولاً « .

کانت توقر الکبیر وتحترم الصغیر ، تحدثنی إحدى الأخوات إنّها کانت مع عائلتها فی زیارة لبنت الهدى تقول الأخت حینما انتهت الزیارة وهممنا بالخروج تأخرت أنا وبقیت أربط حذائی وبیت الهدى واقفة معی تنتظر لا تدخل إلى البیت وکان عمری یومها اثنى عشر عاماً ولم تذهب عنی حتى خرجت وهی تودعنی .

ولقد استقصیت أنا شخصیاً آراء بعض الأخوات حول بنت الهدى وسألت کل واحدة منهم : ما الذی یجذبک إلى بنت الهدى أکثر من غیره فکانت الإجابات مختلفة .

فقالت إحداهّن : عزوفها عن الدنیا وملذّاتها …

وأجابت أخرى : إنّها بساطتها وتواضعها واریحیتها …

وأُخرى عقبّت : إنّها رغم بساطتها کانت سیّدة متانقة ذات هیئة حسنة کانت تعتنی بمظهرها … وفی خاتمة الإستقصاء توجهت بسؤالی هذا إلى من لها صلة وثیقة ببنت الهدى وقرابة فأجابت :

إنه العمل فی سبیل الله منذ مطلع شبابها الأغر .. لقد نذرت حیاتها کلها لله تعالى ، وأصدق فعل للإنسان هو أن یقدّم روحه ، ولا أغلى من الروح لدى الإنسان وقد قدمتها بنت الهدى رخیصة إلى باریها عزّ وجلّ .

وهی ممّن لها فضل فی تحبیب الإسلام إلى کثیر من الناس وجعله حلواً مستساغاً عذباً بعد أن کان أمراً رجعیاً معقداً فی نظر الکثیرین .

وأنا أقول : إنّه یکفی بنت الهدى إنّها قالت کلمتها الجریئة ، وجاهدت أفضل الجهاد » کلمة حق عند سلطان جائر « حین خرجت تنادی فی صحن جدّها أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام : الظلیمة الظلیمة … أیّها الناس اعتقل مرجعکم …

ویکفی بنت الهدى أیضاً إنّها فی اللیالی الحالکة حیث الظلام هو کل شیء والسکون قد عمّ الکون وکثیر من الناس قد دخلوا إلى الراحة والنوم ، وعین بنت الهدى ساهرة أرقة ، جالسة وبین یدیها أوراقها ، وقد أحنت ظهرها على تلک الأوراق تکتب لنا ، لکل بنات الإسلام .

فلصریر قلمها الشجاع الباسل الذی یدور مع الحق حیثما دار رنّة یوم القیامة ونغمة عذبة ، ولحن جمیل یقودها إلى حیث الجنان والرضوان .

کانت إنسانة مثلنا لا تفترق عنا بشیء لکنها تفوقت إلى مراتب الشهادة والذکر العلی الجمیل فی الدنیا والآخرة بحسن النیة والأخلاص فی العمل لوجهه تعالى .

لذا نحن مدینون للشهیدة بنت الهدى لا سیما النساء الرسالیات المتنورات بالفکر والمعرفة .

مدینون للتعرف بالشخصیة الفذّة والروح الإیمانیة التی کانت تستبطن الثورة والرفض للظلم بکل أنواعه .

مدینون للتعرف بالکلمة الجریئة والوقفة البطولیة العظیمة التی وقفتها بنت الهدى ضدّ الطاغیة المتفرعن … « .

ونموذج آخر ما جاء فی مقال تحت عنوان ـ أیُّ کنزٍ ثمین فقدنا ـ للسیّدة أم نور الهدى لیعبّر عن مشاعر المثکول الحیران وقد صدمته الواقعة فهو ینتزع الزفرات من قلب لا یکاد یصدّق ما وقع تقول فیه :

» بنت الهدى … سلام علیک .

یا حوراء المحنة ویا زینب العصر .

سبعة عشر عاماً قد تصرمت ، وفراق الأحبة ثمّ لوعة الحنین ما زالا یضطرمان فی قلوب المحبین .

سبعة عشر عاماً بأیامها ولیالیها بأشهرها الطوال وثقل سنینها المعتمة بوحشة الفراغ الذی خلفتموه …

أفحقاً یا مولاتی مرت کل تلکم السنین على رحیلکم وبعدکم عنا ؟ لکن ما بالنا یا سیدتی نحس وکأن الفاجعة لما تزل ولیدة الأمس ؟

وتجیبنی نفسی ولِمَ لا یکون إحساس الألم هکذا والجرحُ بعدُ لما یندمل .. والقلوب اللهفى للقیاکم بعد لم تبرد لوعتها ویطفى غلیلها ولو وقفة على قبرک الذی غیّبته ید الإجرام والحقد .

ولکنی أعود فأقول بصدق الحاجة وإلحاح المحنة :

أین أنت یا حوراء المحنة ؟ فمطبات الحیاة أمامنا قد کثرت وتعددت .. والحاجة الیوم إلیکم کما کانت هی بالأمس قد اشتدت وتعمقت .

عجیبة هی نفسکم الطاهرة تلک ! أی تأثیر عمیق تترکه فی القلوب التی تهفو إلیها ! قریبة کانت أم بعیدة . یأتی ذلک کله بطریقة طبیعیة غیر متکلّفة أو متصنعة إذ لیس من کان الإیمان الصادق شأنه تأتی أفعاله ، حرکاته کلماته ـ حتى عبر السنین ـ حیة نابضة ؟ لتحرک الوجدان ، ولتدق أوتار القلوب فتنفتح بکل رحابة لنبضات الصدق الصادرة من قلوب قد عُجنت بالإیمان حتى طهُرت .. وسَمت فی علیاء الکمال حتى تألقت .

وهکذا کنت یا مولاتی یا بنت الهدى الهدایة والهدى وهذا عرفناک نوراً من تلک الأنوار الهادیة ما عسانی یا سیدتی فی أسطری الکلیلة هذه أن أحدّث عنک ؟

أو أی کلمات هذه التی ستترجم أو تعکس ملامح شخصیتک الرائعة کما هی فی جوهرها وحقیقتها . لا بقصور الکلمات فیما أعکسه أنا أو غیری ممن تشرفن بمعرفتک وحظین برعایتک ، إذ یبقى انعکاس الشعاع ووهجة غیر تالقة فی جوهره وکینونته …

نعم وجدته من الصعب حقاً للوهلة الأولى أن أکتب عن شخصیة کان لها من الأثر العمیق فی نفسی أوّلاً ، بل فی مجتمعنا بشکل عام والنسوی بشکل خاص ثانیاً … بحیث لا أبالغ أبداً إن قلت إنّه من  النادر جداً أن تتکرر على مرّ الزمن .

بدأت أجمع ذاکرتی وأسطری لأکتب عنها ، قلت ونفسی لأستعین ببعض من أخواتی ممّن تشرفن بلقائها ، لعلنا نوفق معاً لکشف بعض معالم شخصیتها الفذة التی لم تتناولها بعد الکتب أو المقالات التی کتبت عنها بدأت باخت وأخرى وثالثة …

إستوقفتنی إحداهن عندما أجابتنی بعذوبة وبراءة صادقة حیث قالت : » لم یکن إلاّ لقاء واحد لی معها « ثمّ استطردت .. ومع مجموعة لم أکن أنا الوحیدة کی تسنح لی الفرصة أکثر للحدیث معها …

أجبتها لا علیک .. حاولی أن تتذکری اللقاء ( لعلمی من خلال تجربتی مع الشهیدة ـ رض ـ إن کل لقاء معها وإن کان قصیراً إلاّ إنّه یحمل فی ثنایاه الکثیر ـ ثمّ بدأت رفیقتی تحدّثنی عن ذلک اللقاء البسیط الذی فی سرده لم یأخذ إلاّ دقائق قلیلة والذی صوّرته صاحبتی إنّه ربما لیس بالمهم أن تتحدث عنه حتى بادرتها قائلة : مهلاً یا عزیزتی إن لقاءک الوحید هذا على قصره أراه یحمل فی ثنایاه ما لا یقل عن أربعة جوانب رائعة لشخصیة الشهیدة الطاهرة کشفتها محاورة قد تبدو للوهلة الأولى إنّها محاورة عادیة جداً إلاّ : » إن محاورة نماذج کهذه لها من الإصداء والعبر ما لیس لغیرها « .

إنی إذ أقول ذلک واستشهد به لاقرّب الصورة فی بیان التأثیر العجیب لکلامها ـ قدّس الله روحها الطاهرة ـ إذ کانت تنتقی لکل موقف ما یلائمه ، ترد بسرعة بدیهة بکلمات موزونة ، إذ لم یکن للثرثرة فی حدیثها من مکان ، لا یفاجئها سؤال أو استفسار إلاّ وکأنها قد أعدت الجوانب مسبقاً فی حین نحن نعلم إن المحاورات أو التساؤلات التی کانت تسأل فیها تأتی من شرائح مختلفة من  المجتمع النسوی ومع ذلک لم تکن تتعثر فی منطقها للکلمات حتى لو کانت الأسئلة محرجة فی بعض الأحیان .

تحاور بهدوء ..

تجامل بدون تملق …

تنصت من غیر ملل …

تعطی لکل مَنْ فی المجلس حقها ، وکأنها الأم الحنونة التی لا ترید أن تمیز بین بناتها .

لم تسخر یوماً من سؤال أخت حتى لو کان بسیطاً لا تجرح ولا تحرج متحدثها بشیء ..

ابتسامتها الصادقة والبریئة کانت تمتص بها کل نقص تلمسه .

کانت تستوعب الجمیع .. الصغیرة والکبیرة ، العالمة والجاهلة ، تحدّث کلّ واحدة على قدر ما تستوعبه بتواضعها العجیب نعم ارتفعت فی عیون مَنْ عرفها وبحبها الصادق لهن فی الله ولیس فی غیره کسبت کل تلکم القلوب .

ما کانت تدعو لنفسها یوماً ، فمن کسبت من أخوات ونساء من مختلف الأعمار ما کان سبباً لنفسها ، إنّما هو کسب لدرب الهدى الذی کانت هی ابنته الدّالة علیه . نعم بمثل تلک النیة الصافیة وبمثل ذلک الإخلاص الصادق أنشأت جیلاً صاعداً من النساء الملتزمات بدینهن والواعیات فی التزامهن .. « ([۵]) .

هذه المشاعر الصادقة الحیة تعبّر بواقعیة عن الجوانب التی أعرفها فی شخصیة الشهیدة بنت الهدى ، والأجدر أن أقول إنّها معالم ومیزات عبرت عنها مشاعر أخت مؤمنة تعرّفت على الشهیدة بنت الهدى لفترة زمنیة محدودة ، وأقول محدودة لأنها تختلف على کل حال عن المعایشة الیومیة التی یمکن من خلالها إعطاء صورة أشمل عن شخصیة السیدة الشهیدة بنت الهدى ، ففی حدود ما أعلم إن حالة الثراء الروحی والفکری والأخلاقی فی شخصیة الشهیدة بنت الهدى لا ینضب بعد لقاءات أو مواقف معها ، لأنّها مَثل دائم العطاء والتوهج ، ولعل فصول هذه المذکرات المتواضعة عنها ستؤکد هذه الحقیقة .

سلوکها داخل الأُسرة

من الأُمور التی یجب أن تُعرف عن السیدة الشهیدة بنت الهدى سلوکها داخل البیت والأُسرة ، ذلک لإننی أعتقد إنّها کانت نموذجاً قلّ نظیره فی ما سطرته من خُلق رفیع خلال معایشة طویلة مع والدتها وابنة عمها السیدة التقیة الورعة أم جعفر حفظها الله ، وللحق أقول إن السیدة أم جعفر هی الأخرى کانت نموذجاً ضمّ الخصال الحمیدة والخُلق الرفیع فی جانب ، والتقوى والورع فی جانب آخر ، ولا نعجب من ذلک وهی قرینة سیّدنا الشهید الصدر ـ رضوان الله علیه ـ وسلیلة العلماء الأبرار .

کان على السیدة الشهیدة بنت الهدى أن تقوم بعدة مهام فی بیت أخیها وهی :

۱ ـ المهام والوظائف التی تقوم بها تجاه السید الشهید الصدر ، أو ما قد یکلفها به فی مجالات متعددة ، من تدریس أو إقامة ندوات ، أو إشراف مباشر على مدارس دینیة او غیر ذلک .

۲ ـ دورها فی استقبال الضیوف من النساء ، والإهتمام بتلبیة حاجاتهن الفقهیة والفکریة ، والمساهمة فی حل مشاکلهن العائلیة والزوجیة .

۳ ـ دورها فی تربیة بنات السید الشهید تربیة لائقة وصحیحة .

۴ ـ دورها فی خدمة والدتها المعظمة ـ رحمها الله ـ فقد کانت بحاجة إلى المزید من العنایة والإهتمام بسبب کبر العمر ولما تعانی من أمراض متعددة .

۵ ـ دورها فی القیام ببعض شؤون البیت بالمساهمة مع السیدة أم جعفر حفظها الله .

وأعتقد إن الشهیدة بنت الهدى کانت موقفة فی کل تلک المجالات بل وکانت نموذجاً رائعاً فی کل ما قامت به .

ففی مجال الإشراف على الجوانب التثقیفیة والتربویة کانت رائدة فی نشاطها وقدرتها على التخطیط والتنفیذ وما من شک إن النجاح الذی حظیت به مدارس الزهراء سلام الله علیها إنّما کان فی جانب کبیر منه یعود إلیها ، وکذلک یعود لها الفضل فی نشر الوعی الإسلامی بین الوسط النسائی ، وکل ذلک کان یتم رغم الظروف القاسیة من ضعف فی الإمکانات المادیة ، أو مضایقات وضغوط أمنیة ، أو اعراف وتقالید إجتماعیة کانت تشکل عقبات کثیرة فی طریقها .

أمّا إهتماها بالناس فقد کانت تستقبل النساء مع السیدة أم جعفر حفظها الله عصر کل یوم والزائرات من مدن مختلفة ، ومشارب متعددة ، ومستویات متباینة ، ومع ذلک فإن الجمیع یخرجن برضا وإعجاب لما یجدن من إهتمام ورعایة وحسن الخلق.

ولعل أروع ما عرفته عن السیدة الشهیدة بنت الهدى إسلوبها فی تربیة بنات السید الشهید ـ رضوان الله علیه ـ فإلى جانب تعلیمهن مسائل الحلال والحرام التی هی من الأمور الضروریة کان هناک جانب لا یقل أهمیة عن سابقه وهو تهذیب نفوسهن بالمستوى الذی کان ینسجم مع ما کان یتطلع إلیه السید الشهید ـ رحمه الله ـ فی مرجعیته من عدم إهتمام بالمادیات . وهذه النقطة بالذات تحتاج إلى وعی کبیر وإرادة تقوم على الإقتناع الکامل فکانت الشهیدة بنت الهدى خیر من قام بهذا الدور فکانت تذکرهن دائماً بأنّ ما عندهم من مال لیس ملکاً لهم إلاّ بمقدار الضرورة العرفیة وهو ما کان نفس السید الشهید یربیهم علیه ([۶]) وکانت تقول لهنّ إن الإنسان إنّما یکون عظیماً عند الله عزّ وجلّ وعند الناس بإیمانه وأعماله الصالحة وأخلاقه لا بملابسه وما یملک من ذهب وجواهر .

لقد کانت هذه المهمة صعبة جداً فإن عدداً کبیراً من الزائرات کنّ یرتدین أجمل الملابس والحُلی والزینة ، وهو أمر مألوف فی تلک الأیام ، بل قد یعتبر من غیر المستساغ أن تخرج المرأة بملابس بسیطة وعادیة ، فکیف یمکن مقاومة هذا الإغراء المستمر والذی له فی کل یوم شکل ومظهر جذاب .

لقد حرصت بنت الشهیدة بنت الهدى وکذلک السیدة أم جعفر على تربیتهن على الإقتناع بالحد الأدنى وبما یحفظ کرامتهن وکرامة المرجعیة والحالة الترابیة التی کان السید الشهید الصدر یستهدفها .

کما کانت تربیهن على نهج سلوکٍ أخلاقی رفیع فی طریقة وأسلوب تعاملهن مع الزائرات بنحو یحقق للإسلام خدمة عظیمة ، وأعتقد إن کل من ستقرأ هذه الملاحظة سوف تقول نعم کنا نرى ذلک وضحاً فی سلوکهن وتعاملهن .

أمّا دورها فی خدمة والدتها ـ رحمها الله ـ فقد کانت صورة رائعة من صور البرّ بالوالدین ، ونموذجاً راقیاً من منهج ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربی ارحمهما کما ربیانی صغیراً ( .

لقد رافقت الشهیدة بنت الهدى والدتها ـ رحمها الله ـ سنوات عصیبة بدأت بالیتم المبکر لوالدها المرحوم آیة الله السیّد حیدر الصدر قدس سره الشریف وما کانت ترى فی وجه والدتها من ألم وحزن على من فقدت من أولادٍ کانوا ضحایا الأمراض ، أو هموم المعیشة الصعبة وضیق الید والحاجة ، أو ما کانت تعانی من أمراض مستعصیة وصعبة العلاج .

وما أن تحملت الشهیدة بنت الهدى المسؤولیة تجاه والدتها حتى قامت بأداء دورها خیر قیام ، فکانت البنت البارة حقاً لأمها ، ترعاها دون ملل ، وتخدمها بحب وحنان ، وتقوم بشؤونها خیر قیام ، وما أکثر ما سمعتها تردد ( الله یرضى علیک یا بنتی ) .

لقد رأیت الشهیدة بنت الهدى وهی تقوم بخدمة والدتها فی السنة التی ذهبنا فیها إلى مکّة لأداء العمرة عام ( ۱۹۷۸ م ) فکانت ترعاها بکل ما یمکن أن یتاح من وسائل الخدمة والرعایة .

ومن الجدیر بالذکر إن المرحومة والدة السید الشهید أصرّت على أداء العمرة کأحدنا رغم شیخوختها ومرضها فکانت تطوف مشیاً على قدمیها ، وأصرّت على السعی کذلک إلاّ إنها وجدت نفسها بعد قلیل قد انقطع نفسها فاضطرت إلى رکوب العربات المخصصة لهذا الغرض ، وکانت عند نهایة وبدایة کل شوط تضع قدمها على أحجار جبل المروة أو الصفا لتحتاط فی أداء أعمال العمرة ، فکانت بنت الهدى معه فی کل منسک وعبادة لا تفارقها لحظة حتى أتمت أعمال العمرة .

وکما کانت السیدة بنت الهدى ترعى والدة سیدنا الشهید الصدر ـ رضوان الله علیه ـ کانت کذلک وبنفس الروح والأخلاق تفعل السیّدة المکرّمة ام جعفر ـ حفظها الله ـ فقد کانت نموذجاً رائعاً فی الأخلاق ووالطیبة والمحبة تحنو علیها وتخدمها بکل ما تقدر علیه جزاها الله خیر الجزاء .

أمّا دورها فی القیام بواجبات البیت وما یتطلب من رعایة وإهتمام فبالرغم من إن السیّدة الجلیلة أم جعفر ـ حفظها الله ـ کانت أمّاً وزوجة مثالیة فلم تُقصّر بشیء ولم تتماهل فی أداء واجباتها رغم الضغظ الکبیر الذی کان ینشأ عادة منن کثرة الضیوف الذین لا یخلو البیت منهم عادة ، ومع ذلک نرى بنت الهدى تقف بما عُرف عنها من أخلاق عالیة وإحساس بالمسؤولیة لتساهم وبنفس المستوى فی أداء ما یلزم من واجب وخدمة تتطلبها الشؤون المنزلیة ، فکانت تقوم هی یوماً بالطبخ والسیّدة أم جعفر فی الیوم الآخر وهکذا .

هذا کله بروح من الإنسجام والمحبة والمودة وحسن الخلق من الطرفین فلم ألحظ یوماً إن حزازة أو شیئاً من البرود یستحق الذکر حدث بینهما ، وإن حدث فما أسرع أن یتلاشى وکأنه لم یکن .

وأعتقد إن السیدة الشهیدة مع السیدة أم جعفر کانا قلباً واحداً وعقلاً واحداً ، ولم تکن همومها شخصیة ومصلحیة کان همهما الإسلام وخدمة السید الشهید وتخفیف همومه .

العبادة

من نافلة القول أن أتحدث عن هذا الجانب من شخصیة السیدة الشهیدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ لأنها بحق القدوة الصالحة والمثل الطیب .

ومن المؤکد إن طبیعة الأمور لم تکن تتیح لی معرفة کل شیء وبتفاصیل دقیقة عن هذا الجانب ، إلاّ إننی لمحت بعض ما یشیر إلى ما کانت تتمیز به من خصائص فریدة فی هذا المجال .

حرصت ـ رحمها الله ـ على إخفاء هذا الجانب من حیاتها ، فقد کانت لها غرفة صغیرة خاصة بها وکانت جلّ عبادتها تؤدیها إأمّما فیثها ، وأمّا فی حرم الإمام علی علیه السلام .

وقد لاحظت إنّها کانت کثیرة الصلاة والدعاء وقراءة القرآن من دون تفاخر أو تظاهر ، واتذکر ان أحد کتبها أو قصصها وکنت اشرف على طباعته على فی إحدى مطابع النجف واحتجت إلى مراجعتها فی بعض أمور طباعته فقلت لابن أخیها السید جعفر ـ حفظه الله ـ وکان صغیراً آنذاک ان یخبر عمّته بالأمر ، فذهب إلى غرفتها ثمّ عاد فقال إنّها تصلی . وکان ذلک قبیل العصر ، فقلت لعلها ستفرغ من ذلک بعد ربع ساعة ، وتکررت مراجعة السید جعفر وفی کل مرّة کان یقول إنّها تصلی وقد استغرق ذلک ما یقرب من ساعة ونصف إلى أن أثارها کثرة تردد ابن أخیها فسألته عن السبب فقال إن فلاناً أحضر قسماً من ( الکتاب أو القصة) ویطلب منک راجعته والنظر فیه ، ثمّ قالت له وبماذا کنت تخبره حینما کنت تتردد على الغرفة ؟ فقال : کنت أقول له إن عمتی تصلی ، فطلبت منه إن ألاّ یخبر أحداً عن أمورها هذه فی المستقبل .

فکانت تستغل ما یتاح لها من فرص لأعمالها العبادیة أو الدراسیة ـ حسب الظروف ـ وقد فهمت ذلک من مناسبات تشبه هذه الحادثة من مثل صلاتها ففی المسجد الحرام لمّا ذهبنا إلى العمرة فقد اتخذت زاویة هناک والجأت ظهرها إلى حائط المسجد وأخذت فی الصلاة وقراءة القرآن والدعاء ولم تنقطع عن ذلک وکان هذا دأبها فی کل یوم .

واستطیع أن أجزم إن للعبادة بأشکالها المختلفة لدى الشهیدة بنت الهدى فهماً عمیقاً یتطابق مع الهدف الحقیقی للعبادة فی الإسلام ، وهی العبادة الواعیة التی تنکعس آثارها على السلوک والعمل ، ولو لاحظنا الشهیدة  المظلومة بنت الهدى لوجدناها قمة شامخة فی أخلاقها وسلوکها تتجسد فیه بوضوح آثارها العبادة ومعطیاتها ، ولیس ذلک غریباً إذا علمنا أن استاذها ومربیها هو السیّد الشهید الصدر ـ رضوان الله علیه ـ الذی ألزم نفسه أن لا یصلی إلاّ بحضور قلب وانقطاع کامل لله ([۷]) ولم یکن للشهیدة أن لا تخرج عن نطاق هذا الفهم العمیق والصحیح للعبادة ، وتجسد ذلک بمواقفها الإیمانیة والبطولیة فی أیام المحن والإرهاب حین نکصت الرجال وثبتت بنت الهدى حتى نالت الشهادة .

هذه مقتطفات سریعة ومقتضبة عن محطات کبیرة فی حیاة وشخصیة الشهیدة الغالیة بنت الهدى رحمها الله .

بنت الهدى کما تراها إحدى تلمیذاتها ([۸])

کتبت السیّدة الفاضلة أم تقى الموسوی عن أُستاذها الشهیدة بنت الهدى رحمها الله ما یلی :

» أضاءت حیاة الشهیدة بنت الهدى معالم باهرة ، فهی العالمة الجلیلة ، والأدیبة الفاضلة ، نشأت فی أحضان أخوین عالمین ، وأم مهذّبة بصیرة ، وقد دأب هذا الثلاثی الطاهر على تربیة هذه البنت تربیة صالحة نموذجیة لتصبح بعد حین عَلَما للمرأة المسلمة الرسالیّة ، ولتکون السراج المنیر فی اللّیلة الظلماء لمن ضعن فی متاهات الغوایة والإغراء ، وکان لدیها دافع التقبل والقدرة على إستیعاب ما یُلقى علیها من التوجیهات والدروس والمحاضرات التی کانت تعدّها لمستقبلها الخطیر .

وأذکر هنا أنّه عندما کانت الدکتورة بنت الشاطئ فی سفرها إلى النجف الأشرف حیث التقت الشهیدة سألتها الدکتورة :

ـ من أیّ کلیة تخرجت ؟

ـ قالت الشهیدة ببسمة وادعة ( أنا خریجة مدرسة بیتنا ) .

فدهشت الدکتورة لهذه المفاجأة المذهلة التی لم تکن تتوقّع سماعها حیث تجد نفسها تقف أمام مفکّرة إسلامیة لم تدخل مدرسة قط .

همٌ إسلامی ونشاط جهادی مبکّر

فی ذلک العمر الیانع الذی لا یعرف مثله عند غیرها سوى اللهو البریء والإنشغال فی الأمور التی تنشغل بها الصبایا عادةً ، کانت وهی فی سن الورود المتفتحة للحیاة وقد عزفت الحکمة وهی صبیة ) ومن یؤت الحکمة فقد أوتی خیراً کثیراً ( .

ومن الطریف أنّ هذه الصبیّة الحکیمة حیث تبادر أمها إلى إهدائها ( دُمیة صغیرة ) لظنّها أنّ إبنتها قد تکون فی حاجة إلى دمیة تلهو بها مثل بقیة الصبایا اللاتی هُنّ فی مثل سنها ، وتعجب الأم حین ترى إبنتها تواجه هذه الدمیة بالبرود ، والذی قد یعبّر عن عدم ارتیاح داخلی لما تراه من أنّ تسجیلها فی عالم الصبا یشکل منقصة لها ، وهی ذات القلب المتفتّح منذ نعومته على العمق والحکمة والقضایا الکبیرة والشؤون الرفیعة .

وقامت بتخریب تلک الدمیة معلنة بذاک عن إنّها فوق المسائل الصغیرة ، وقد زاد هذا الموقف أمّها إعجاباً بها، وافتخاراً بشخصیّتها الکبیرة ، وهی فی بدایة مسیرتها فی الحیاة ، وکانت فی بواکیر نشاطها الجهادی فی ذلک العمر تُرتب نشرة جداریة تحتوی مضامین إسلامیّة وثقافیة مفیدة وتقوم بإیصالها إلى مَنْ تشخص ضرورة إطلاعها علیها للإستفادة منها .

وهکذا فی نعومة الأظفار کانت ( آمنة الصدر ) الصبیة التی ربیت فی رحاب العلم والجهاد والهموم الإسلامیّة تخطو خطواتها الأولى فی درب العمل المقدّس وهی ترفع بیدها على قدر جهدها لواء الإسلام تدعو إلى الله على بصیرة حالفتها منذ البدایة ورثتها من الدم ، ورضعتها مع اللبن وتغذتها من مائدة البیت الصدری، بیت المعرفة والحکمة والعمل الصالح والبذل فی سبیل الله .

بنت الهدى ومدرسة الشهید الصدر

کان للشهیدة الإطلاع الواسع على مدرسة السیّد الشهید وأفکاره وتوجهاته الفکریّة الإستدلالیّة فی الإصلاح والهدایة ، وقد تجلّى ذلک فی آخر کتاباتها التی برز فیها الجانب العلمی والنقاش الواعی أکثر من بقیة کتبها ، وهذا هو الملحوظ فی کتاب ( إمرأتان ورجل ) و ( الباحثة عن الحقیقة ) .

الإستیعاب الواعی للتاریخ

وکذلک البحث والمناقشة فی قضایا التاریخ الإسلامی الأمر الذی تجسّد فی کتابها ( المرأة مع النبی فی حیاته وشریعته ) والذی یبرز فیه إطلاعها الواسع على التأریخ الإسلامی ، ویلاحظ القارئ فیه الرد المقتدر الواعی المقنع على الدکتورة بنت الشاطئ فی کتابها ( بنات النبی ) وکیف أثبت ذلک الرد إنّ الرسول کانت له إبنة وحیدة ، وهی فاطمة علیها السلام ومن خلال بحث تحقیقی دقیق ومناقشة علمیة بارعة .

الشهیدة أدیبة بارعة

للشهیدة بنت الهدى حس أدبی رفیع ، وذوق عال ، وشاعریة فذّة ، خیال واسع، یتجلّى فی کتاباتها الإسلامیة الهادفة .

وکان الطریق القصصی الذی سلکته هو أفضل طریق لتعریف المرأة رسالتها ، لا سیّما فی ذلک الوقت الذی کان فیه الجانب الأدبی یُستغل من قبل أعداء الإسلام إستغلالاً کبیراً للوصول عن طریقه إلى أهدافهم اللئیمة .

لقد شعرت بأهمیة هذا الجانب وتأثیره فی خدمة الإسلام ، ولقد رأت بأم عینها کیف نفذ الکفر والإنحراف للحیاة الإجتماعیة من خلال الأدب والشعر وکتابة القصص الفارغة الملیئة بالمزابل الأخلاقیة م الدعارة والمجون والرذیلة ، وقد دسّوا فیها ما یشاؤون ویشتهون وما یملی علیهم شیاطین الجن والإنس من تضلیل وإغواء وجذب إلى مستنقعات الراذائل ،وقد غدت المکتبات ملیئة بمثل الحماقات ، وغدت الشابة الضائعة أینما تلوی على کتب تطالعها لا تجد أمامها سواها ، ولم یکن فی وسعها ولا من ذوقها أن تطّلع على کتب العلماء أو المفکرین الإسلامیین ، والسبب یعود إلى أنّ تلک الکتب قد کُتبت بإسلوب یصعب فهمه وغیر مشوّق لتلک الأعمار ، فلم تکن تلک الکتب تستهوی الفتیان ، فلا بدّ إذن من ملء هذا الجانب وسد الفراغ ، فراغ الإستفادة من الأدب الإسلامی الهادف الذی یستهوی الشباب لخدمة القضیة الإسلامیة إنطلاقاً من مقولة الإمام شرف الدین ( لا ینتشر الهدى إلاّ من حیث انتشر الضلال ) فبادرت رحمها الله إلى کتابة القصة الهادفة وبذلک الإسلوب الجذاب الواضح ، وبدأت تعالج القضایا الأخلاقیة فی المجتمع بشکل شیّق یشد القارئ ویجعله یتابع الفصول بشغف حتى یصل إلى نهایة ، نلاحظ هذا فی کتابها الفضیلة تنتصر ، حیث نراها تنفذ إلى المرأة من الجانب العاطفی الذی هو یملکها ولا تملکه ، وتضغط على ذلک ( الزر ) لتصل إلى الهدف المرسوم ، وإثارة مشاعر الخیر والفضیلة ، وعالجت بذلک الإسلوب الأدبی الشیّق الأخطاء الإجتماعیة ، والتقالید والأعراف الخاطئة المتفشیة فی أوساطه ، وراحت تبرز مفاسدها بشکل مضحک ومثیر تارة وبشکل عاطفی حزین تارة أخرى ، ویجد القارئ هذا فی قصصها الصغیرة ( الخالة الضائعة ) و ( لیتنی کنت أعلم ) ولا یخفى أنّ قصصها کانتت تستهوی غیر المتدینات أیضاً لأنّها لم تکن قصص التاریخ الإسلامی فی صورته الأولى ، أو عن واقع الإیمان والتقوى لدى نساء القعیدة أو رجالها ، بل کانت قصص الواقع المعاش والحیاة الإجتماعیة بما فیها من مشاکل وعقبات ومحن ومصاعب یغرق المجتمع فی تیارها ، ویتیه فی فقارها .

الجانب الأخلاقی للشهیدة

والمعلَم البارز الذی أشرقت به الحیاة العلمیة للمجاهدة الشهیدة وجعلها کالشمس المنیرة ، وفتح لها وأهدافها السامیة الأبواب علىمصاریعها فی القلوب فأثرت تأثیرها المشهود هو إطلاعها الواسع فی علم الاخلاق الذی تکاملت بواسطته وانطلقت بأنواره لتکمیل غیرها ، وهذا جانب مهم وخطیر فی حیاتها وکان لا بدّ لها منه کمؤمنة رسالیة رائدة ومعلمة هادیة ، وکانت لها ـ رضوان الله علیها ـ درایة کافیة بهذا العلم وقد نذرت نفسها لخدمة هذا الجانب الکبیر الذی أشار إلیه الرسول صلى الله علیه وآله بقوله : » إنّما بعثت لأتمّم مکارم الأخلاق « .

وقد کان همّها أن تقوّم هذا الأمر فی شخصیّة المرأة المسلمة التی غدت العوبة اللاعبین وقد أضلوها عن الطریق السوی ، ومشوا بها فی متاهات الدروب الملتویة والمسالک الوعرة ، وکانت أکثر کتاباتها ومحاضراتها تترکّز على هذا الأمر . ولکون کلمتها کانت بمنتهى الصدق والإخلاص ، ومن أعماق قلبها کانت کلمة مؤثّرة مغیّرة ، وقد استطاعت بها أن تصنع جیلاً نسویّاً فرض التیّار الإسلامی على الصعید النسوی ، وفی وسط المجتمع وعلى کل المستویات .

ولقد کان من سجایاها المشهودة والتی حببتها کثیراً إلى الناس سجیّة التواضع الذی رفعها عند الله وعند عباده ، وصیّرها فی نفوس المطلعات علیها من قرب ملاکاً یسبّح فی السماوات الممتدة من الإجلال والتقدیر لها فی صدروهن ، وکانت بشاشتها الساحرة تعینها على خصومها فتأسرهن بها ، وتجذب بها قلوب محبّیها ومریدیها أشد الجذب ، وهی مع هذه البشاشة الآسرة کانت مُهانة یُعینها الآخرون على أنفسهم ، وکانت تمتلک مهابة جدّها أمیر المؤمنین الذی یصرح بأنّه ما لقی عدوّاً إلاّ أعانه على نفسه ، وهذه الهیبة التی کانت تمتلکها الشهیدة هی هیبة الإیمان والتی یمُن بها الله على المجاهدین المخلصین من عباده الذین قرر سبحانه أن یهدیهم سبیل التوفیق حین رفعوا لواء الجهاد ) والذین جاهدوا فینا لنهدیّنهم سبلنا وانّ الله مع المحسنین ( .

وکانت متمیّزة بسکینتها بکلامها ووقارها وطریقة حدیثها ونظراتها التی توزعها على الجالسین بکل لطف ورفق بحیث یعرفها من لا یعرفها ، فهی مثال لقوله تعالى ) سیماهم فی وجوههم ( .

العجیب من أمر الشهیدة إنّها کانت تجالس الجمیع ، وتحل مشاکل الجمیع ، وهذا أمر فی غایة الصعوبة فهی مرة تکون مع الجامعیات ، ومرة مع الأمیات ، ومرة مع الموسرات ، ومرة مع الفقیرات ، مرة مع الفتیات ، ومرة مع العجائز ، تماشی الجمیع وترشدهن ، وتعطیهن بمع معرفتها ومواعظها ، وتکلّمهن کلاً بقدر عقلها ومستوى فکرها ، ولقد تعلّقن بها تعلّقاً شدیداً وأحببنها حباً جماً . ولم یشاهدن فیها ذلک التصوّر القائم حول المتدینات الملتزمات والذی یعرض المرأة الرسالیة وکأنّها جلیسة الحجرات ملازمة الصلوات ، وان الإسلام یحتکر المرأة للرجل ویجعلها أسیرة له لا تمتلک من أمرها شیئاً .

الهم الوحید

لم تکن الشهیدة تمتلک فی قلبها إلاّ الهمّ المقدّس ، وهو هم العقیدة ، وقد انصرفت عن کل هموم الحیاة الدنیا ومشاغلها ، وکأنّها قد خاطبت الدنیا خطاب جدّها أمیر المؤمنین ( یا دنیا إلیکِ عنی ) فلم تفکّر فی نفسها ولم یکن لدیها توجّه لذاتها ، وقد عزفت عن الشؤون الإعتیادیة التی تهتم بها بنات جلدتها والتی هی أمور أساسیّة فی الحیاة بالنسبة لغیرها کالزواج والبیت والإستقرار المعیشی مع الزوج المطلوب والتفکیر بالمستقبل والحصول على النصیب المفروض للإنسان من متاع الحیاة الدنیا .

لم نکن نرى فی حیاة الشهیدة إلاّ قضیة واحدة مرکزیة هی قضیة العقیدة ، وما سواها من القضایا کان هامشیاً جدّاً فی حیاتها ومسخراً للقضیة الأولى ، وکمثال على هذا الحقیقة أذکر قضیّة اللباس الذی کانت تحاول أن تجعله موضع قبول الموسرات اللواتی یلتقین بها فی بغداد أو فی النجف ، فقد کانت فلسفة موقفها فی هذا الأمر کما تُبین هی ذلک استخدامه وسیلة جذب وخلق صورة طیّبة عن أمثالها من المؤمنات العاملات فی نفوس الکثیر من النساء اللواتی یرین فی حُسن الملبس لوناً من ألوان الثقافة والذوق ومجاراة العصر ، ومواکبة المدنیة ، ومعایشة لروح الزمان ، وکنّ یتصورن إن بنات المتدینین ونساءهم متخلّفات حتى فی لباسهن ولا یمتکلن ذوقاً متحضراً ، ولا فهماً لروح المدنیة المتطورة التی اتحفت الدنیا بکل جدید من إنتاج ذوقها المتفتّح على الحیاة .

لقد فهمت بنت الهدى إنّ هذه الوسیلة هی من الوسائل التی تخدم الغایة المقدّسة فسلکتها لا حبّاً لها ولا رغبة فیها ، بل طمعاً فی جعلها مقدّمة من مقدّمات أداء التکلیف الکبیر ، الذی هو إیصال کلمة الله إلى الأخریات مت بنات الجیل ، وحین تنتفی الحاجة إلى هذه المقدّمة أحیاناً ترجع بنت الهدى إلى طبیعة ذاتها الزاهدة العازفة عن زخارف الدنیا فنراها فی أبسط لباس ، ونراها توصی المتدینات اللواتی لا یمتلکن دورها ومسؤولیتها ولم یکن لهنَّ احتکاک تبلیغی ولا نشاط إرشادی بالزهد والإعراض عن الدنیا ، ونراها تشرح لهن حکمة لباسها الأنیق الذی تظهر به أمام من ترید أن تدخل إلى قلوبهن من الموسرات من خلال الأمر الذی یستهویهن ویرین فیه میزة محبّبة من میزات المرأة المتحضرة .

الضمیر الحی

عندما جاء خبر اختفاء السیّد موسى الصدر وهو ابن عم الشهیدة بنت الهدى ، وأخو زوجة السیّد الشهید الصدر ، سادت فی بیت الشهیدة حالة القلق والإضطراب والتوجس لاختفاء شخصیة إسلامیّة مجاهدة هذا من ناحیة ومن ناحیة أخرى لأنّ السیّد موسى الصدر کان عضداً قویّاً للشهید الصدر ، وکان أحد وسائل ضغطه على النظام الحاکم فی العراق ، وإن فقدان مثل هذه الشخصیّة خسارة کبیرة للجهاد وجهود الشهید الصدر ووجوده المبارک فی العراق ، وفی أیام هذه المحنة جاءت إحدى المؤمنات التی تعوّدت أن تزور العلویة بنت الهدى کثیراً ، وأن تسألها کثیراً أیضاً حتى کانت الشهیدة تسمیها تسمیة طریفة ( أم الأسئلة ) وبدأت الفتاة المذکورة تطرح اسألتها المعتادة والصریحة ، و لم تکن تلک الحالة المضطربة فی بیت الشهید الصدر لتسمح للشهیدة بنت الهدى بحسن التوجّه والإجابة ، وأحست تلک الفتاة إنّها قد أساءت الموقف وعدم تقدیر الفرصة المناسبة فسکتت على مضض بعدما لاحظت الحالة النفسیة التی تعانیها الشهیدة ، وودّعت المکان وانصرفت ، وبعد مغادرتها أخذت الشهیدة هزة عنیفة وأحسّت بأنّها ترید أن تبکی وأخذت تلوم نفسها وعواطفها لأنّها قد اتخذت موقفاً ما کان ینبغی لها أن تتخذه إحساساً منها بعمق المسؤولیة وبینت للحاضرات أسفها الشدید للموقف ، ولامت الجو المتوتر والحالة العصبیة التی کانت تعیشها بسبب القلق على مصیر السیّد موسى الصدر .

ویشبه هذا الموقف موقف روته هی لی ومضمونه إنّ إحدى طالبات المدرسة الدینیة للبنات فی النجف جاءتها وهی ( أی الشهیدة ) فی حالة متعبة من تلک الحالات العصبیة التی یعیشها الإنسان الواعی الرسالی فی العراق فی جوه الخانق، وکانت الطالبة ترید أن تشتکی من أمر ما ، فرّدت علیها الشهیدة بنت الهدى إنّها لا یمکنها الآن أن تتکلم بشیء وکان هذان الموقفان کما صرّحت هی قد أثّرا فیها کثیراً ، وظلت تحاسب نفسها على ما صدر منها فی حق ذینیک الفتاتین .

الروح الزاهدة

ذکرت لی ـ رحمها الله ـ إنّ أفضل مجالس العزاء الحسینی التی قصدتها للتقرّب إلى الله واستلهام الدروس والعبر التی أراد سیّد الشهداء أن یسجّلها للتاریخ فی وقعته الکربلائیة الخالدة ، کان مجلساً لإحدى النساء الفقیرات فی النجف وکان متواضعاً وبسیطاً ولم تحضر فی ذوات الترف والموضات وعاشقات الأزیاء ، تقول إنّها أحسّت فی ذلک المجلس بخشوع لم تجده فی مجلس آخر ، وإنّها بکت بحالة من الإنکسار الفرید للمأساة الحسینیة فی ذلک الجو البسیط الذی لو تاسره الزخارف والبهارج المادیّة کانت تحس بالضیق الشدید الذی تکتمه أحیاناً وتبرزه أحیاناً أخرى بأسالیب حکیمة من الحالة البذخیة التی تعیشها بعض نساء وبنات الشخصیات اللواتی کن یزرنها بمظاهر مادیّة ملفتة للنظر ، وکان أکثر حدیثهن فی أمور اللباس والمسائل الترفیهیة حتى أمام الحاضرات للدرس عند الشهیدة ، أو لزیارتها للإستماع إلى توجیهاتها وأفکارها ، وکانت تتبرّم کثیراً من هذه الحالة ، وتضمر فی قلبها لوعة شدیدة من خوضها على أن تخلق هذه المسائل تصوّراً فی أذهان الحاضرات بأنّ نساء العلماء وبناتهم ربات بیوت فارغات مشغولات بالأمور الدنیویة التافهة کاللباس والتطریز وغیرهما ، ولا همّ لهنّ بعلم أو بفکر أو ثقافة أو أمور عامة تهمّ المجتمع والإنسانیة ، وکانت ـ رحمة الله علیها ـ تتأثر من ذلک کثیراً وتتمنى أن لا یدخل علیها ذلک الصنف من النساء ذوات البطر والفراغ ، وکانت تقطع علیهن أحیاناً حدیثهن فی تلک الأمور بذکاء وحکمة وتحولهن إلى الحدیث فی أمور هی من شأن أجواء العلم والحوزة والخدمة الإسلامیة .

النفس الصافیة

کانت الشهیدة طاهرة النفس من الغل والحقد والشنأن ، ولم یلامس قلبها النظیف ألوان المکر والخداع والإلتواء ، ولا حب الذات ، ولا التکبّر والإستعلاء ، ولم نسمع منها طیلة معاشرتنا لها إنّها بادرت إلى غیبة أحد أو انتقاصه بغیر عذر مسوّغ شرعی ، وإلى الإستهزاء بشخص ، أو سؤال أو مطلب تطرحه واحدة من تلمیذاتها . وکان من أروع سجایاها خلو فؤادها من الحسد فلم ألمس عندها مدة قربی منها أی حالة من حالات حسد الغیر وتمنّی زوال نعمتهم ، وتفرّدها هی بالخیر دونهم ، کانت تدعو للجمیع بالخیر وترجوه لهم من الله وتغبطهم علیه بسروو صادق من صمیم قلبها وتبتهج له مثل ابتهاجهم وکأنّها جزء منهم ، واذکر هنا على سبیل المثال لا الحصر وإنّنی کلّما تذکّرت هذا المثال تألق فی نفسی ذلک الخلق الإسلامی السامی الذی کانت الشهیدة تتحلّى به وهو طهارة النفس من الحسد وصفاء روحها من شوائب حب التفرّد بالمکاسب والإمتیازات وعدم الرغبة فی وصولها إلى الآخرین لا سیّما إذا کانت هذه الإمتیازات ممّا تتفرّد به هی وحدها وکان تفرّدها ذلک یخلق لها إکباراً خاصّاً فی النفوس ومن طبیعة ذوی الحسد والمتفرّدین ألاّ یسمحوا ولا یرضوا بأن ینافسهم غیرهم فیما تفرّدوا به ونالوا به ما نالوا . أمّا بنت الهدى النقیّة الصافیة فإنّها حین تفرّدت بزعامة الکتابة الإسلامیة النسویة فی الساحة العراقیة وحظیت من ذلک بوسام شرف رفیع فإنّ نفسها الطاهرة کانت تحرکها وبقوة لدعم کاتبة بدأت تظهر فی تلک الساحة ، ولم تتوان عن إسنادها بکل قوة وکتابة مقدّمة لأوّل کتبها ، وکانت تکّثر السؤال منها عن نشاطها الکتابی ، وتبارک لها ، وتلحّ علیها فی بذل المستطاع من اجل رفد دور القلم الإسلامی النسوی دون أن ینتابها أی إحساس ممّا ینتاب الأخریات من الغیرة أو الحسد فی مثل هذا المورد بل کانت على العکس تنشرح وتُسر أشدّ السرور إذا ما أهدت لها تلک الکاتبة کتاباً جدیداً قد طبع لها ، وکانت تعرّفها بین الحاضرات وتطریها وکتاباتها وتعتبر ذلک نصراً لها ، ودعماً لقضیتها وهی القضیة الیت تبذل العمر والشباب من أجلها .

طبیب دوار وخلق رفیع

کانت ـ رحمها الله ـ تجسیداً حیّاً مصغراً لدور جدّها رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم وصفه أمیر المؤمنین بأنّه : » طبیب دوار بطبه « فکانت کثیرة الحرکة والتنقّل بین بغداد والنجف والدیار المقدّسة بمسؤولیتها العظیمة مسؤولیة الهدایة ، وکان قلبها ممتلئاً بعشق هذه المسؤولیة ، ولم یکن یوجد إلى جنبه فی قلبها الطاهر المتمحّض للإسلام عشق لشیء آخر ، کانت دائبة النشاط لا لغرض دنیوی ولا لمتاع أرضی بل لهدایة إنسان أو إسناد قضیة إسلامیة ، أو مساعدة محتاج ، أو إصلاح ذات بین ، أو نفوذ هادف فی أوساط المجتمع . وکانت کل خطواتها محسوبة مدروسة فی ضمن برنامج ، وکانت فی نفس هذا الوقت الذی تبدو فیه مبتسمة منشرحة تحمل فی نفسها هم الإسلام العظیم وتطوی بین جوانحها حرارة ذلک الهمّ الکبیر وهموم الوضع القائم والإنحراف عن المسیرة التی راح الظلم یُطبق على نهارها ویواری شمسها .

کان بإمکان أی امرأة أن تستفید من کلماتها وفی أی وقت کان لأنّ کلّ کلماتها کانت هادفة وکأنّ علیها رقیباً من نفسها قبل أن یکون علیها رقیب من غیرها ، وکانت سریعة البادرة قویّة الحس ، وکان ذلک یخدمها کثیراً فی مسیرتها الإصلاحیة ، ولا أنسى قول إحدى زائراتها عند مغادرتها منزل الشهیدة ( نسینا أن نحضر معنا جهاز تسجیل أو نکتب کل ما قالت ) .

لقد کانت حلیمة عاقلة تقابل الإساءة بالإحسان والعقوق بالغفران ، وکانت صامدة راسخة لا تهزّها الریاح العاتیة ، ولا تحرّکها الزوابع الضاریّة ، فکانت تشدّ جراحنا وجراح المتعبات بذلک الصمود الزینبی فی أیام المحن ، وکنّا نأسو کُلومنا وننسى همومنا فی إشراق تلک البسمات عند ادلهمام الخطوب .

والحقّ أقول لقد اجتمعت فی شخصیّة الشهیدة من خصال الخیر ما لم یجتمع عند الکثیر من نسائنا کسمو النفس ، وطهارة الروح ، وعلو الهمّة ، وصفاء الطبع، والمسارعة إلى الخیر ، والإیثار والتضحیة ، وبشاشة الوجه ، وطلاقة المحیا ، فکانت فی هذا مثال المؤمن الذی وصفه الإمام علی علیه السلام ( المؤمن بشره فی وجهه وحزنه فی قلبه ) .

السبل الحکیمة

کانت تسلک کل السبل الحکیمة للوصول بدورها التربوی إلى غایته وقد وهبها الله من العقل البصیر المتدبّر ممّا أعانها بقوة على تحقیق هدفها المنشود والأمثلة فی هذا المجال کثیرة جداً لکنّنی أکتفی بذکر مثال واحد وذلک إنّ إحدى الفتیات الجامعیات ممّن یجهلن الطریق کانت تلتقی أحیاناً بالشهیدة وکانت ـ رحمها الله ـ تحاول إقناعها بارتداء الحجاب ولکنّها کانت تأبى لأنّ الحجاب معناه فی تصوّرها وتصوّر المجتمع آنذاک ( لبس العباءة ) ولذلک تبعات ثقیلة ، منها وصمها بالرجعیة والتخلف من قبل أعداء الإسلام ، فما کان من الشهیدة إلاّ أن تقول لها ( لیس الهم أن تلبسی العباءة المهم أن تغطی جسمک وکفى فابدأی بلبس الطرحة والمانتو فهذا یکفی ) قالت هذا فی وقت لم تکن بعد موضة المانتو مطروحة کحجاب بصورة واضحة ، وکانت النتیجة أن اهتدت تلک الفتاة ثم حیت تعمق إیمانها لبست العباءة وأصبحت بعد ذلک أحسن بکثیر ممّا کانت علیه ، بل وأحسن بکثیر ممّن لبسن العباءة من أول الأمر .

بنت الهدى والتسلیم لقضاء الله

لقد وقفت بنت الهدى فی وجه النکبات والمصائب والمحن بقلب صامد وجنان راسخ وروح صبور وتسلیم کامل عند رحیل خالها آیة الله العظمى الشیخ مرتضى آل یاسین کانت الشهیدة أسوة حسنة لمن أراد أن یرى التسلیم والإنقیاد أمام إرادة الله سبحانه متجسّداً فی سلوک صاحب المصیبة فی ذلک الجو العاصف الملیء بالعویل والصراخ وکانت لا تعول ولا تولول ، وکانت توصی القریبات منها أن یرددن ( لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلی العظیم ) وتأمرهن بالاستبشار بما ینتظر خالها الکریم من الخیر والبرکة برحمة ربّ العالمین ، وکانت تواسی بنتی خالها ثمّ تعود إلى أمها المریضة لتهدئ من ألمها ، وتقرأ على مسامعها آیات العزاء .

ولا یخفى إنّ والدة الشهیدة هی مثال المرأة المجاهدة الصابرة ، وهی ممّن یضرب بهم المثل فی الصبر على البلاء ، واحتمال العناء فقد جرى علیها من البلایا والرزایا ممّا لا یطاق من فقد الأولاد صغاراً وکباراً ، والترمل فی حداثة السن ، والفقر والحرمان ، ومعایشة ضغوط السلطة الجائرة ، وملازمة المرض والهموم إلى آخر لحظة من عمرها الشریف الذی انطفأت شمعته بعد سنین من رحلة الشهید والشهیدة .

بنت الهدى ونظرة المجتمع

فی المدّة التی قضیناها فی مدینة النجف کنّّا نصطدم فی کثیر من الأحیان باصدقائنا ومعارفنا ، وقد یرون منّا ما ینکرون ، ونرى منهم ما ننکر ویستمر النقاش بیننا حاداً مرةً ولیناً أخرى ، وینتهی بفوز طریق الحقّ أو بتوتر حاد بین الطرفین . وأذکر إنّنی التقیت ببعض صدیقاتی القدیمات بعد فراق طویل ، فجرى الحدیث بیننا عن أوضاع الساحة والحجاب وضغوط السلطة الحاکمة آنذاک على الملتزمین والمتدینین حیث کان الجو متشنّجاً خانقاً لا یدع للإنسان فرصة النطق فضلاً عن الحرکة ، وحین علمت إحدى هؤلاء الصدیقات علاقتی بالشهیدة بنت الهدى قفزت کمن لدغته افعى قالت ( إنّ هذه المرأة خطرة ) قلت ماذا تقصدین من هذه الخطورة ؟ قالت ( أنا لا أخاف البعثیین ومطاردتهم وإنّما أخاف منها لأنّها إمرأة معقّدة ورجعیة ) فابتسمت لمحدثتی وطلبت منها معرفة الحقیقة عن قرب ، والفحص بنفسها لا الحکم بناءً على الأقاویل والتصوّرات ، ورغبت إلیها أن تذهب لزیارة بنت الهدى .

وبعد محاورات جرت بیننا قررت أن تأتی معی بصحبة صدیقة لها خریجة کلیة الآداب وهی مثل صاحبتها وعلى نهجها فی التفکیر . وذهبنا سوّیاً فی الیوم المحدّد إلى بیت الشهیدة حیث کانت ـ رحمها الله ـ موجودة فاستقبلتنا برحابة صدرها وببشاشتها المعهودة حیث یشعر الإنسان من أوّل لقائه بها إنّه صاحب الدار ، وإنّه بیت أهله وأخوته ، وترتفع لدیه کل الحجب والعقابیل التی صاغها فی فکره قبل اللقاء وبعد انصرافنا وجدت صدیقتی قد انقلب تصورها إلى عکسه ، وحلت فی ذهنیهما صورة جدیدة للشهیدة بنت الهدى ، وراحتا تلعنان التبلیغ السیء الظالم الذی کان یلف صورة الشهیدة ویصوّرها إمرأة رجعیة قدیمة ترفض تطور المجتمع وتمدّنه ، وتخالف الحضارة ورقیها ، وراحت الصورة الکاذبة التی رسمها الإنحراف والإعلام الظالم .

وقد شاء الله أن تعود الأختان بالنور والهدایة والندم على ما سلف ، وکان لإحدى هاتین الصدیقتین قریب فی الحزب الشیوعی ومن الذین قضوا سنین فی السجن بسبب الإنتماء لذلک الحزب ، عند ذهابها إلى بیته رآها تقرأ فی کتب السیّدة الشهیدة کنت قد أهدیتها إیاها . تقول الأخت طلب منی تلک وأصرّ على قراءتها فی لیلة واحدة ، فاعطیته الکتب وبعد قراءتها قلت له إن السیّد الصدر یذم حزبک ویفضح أسالیبه ویعریه من کل محتوى یخدم البشریة فقال ( إنّک لم تذکری لی عزمک على زیارة هذه الأسرة ) قلت : لماذا ؟ قال : إنّنی مصمّم على زیارة الصدر مهما کلف الأمر والإعتذار عن أفکاری وأفعالی .

الشهیدة والبدایة المرة

وکان ممّا تذکره رحمها الله بأسى ولوعة ذلک الحصار الذی کان یضربه علیها وعلى نشاطها بعض المتحجّرین فی بدایة نبوغها حتى إنّهم رفضوا أن ینشروا کتاباتها فی مجلة الأضواء ، وحین وافقوا بعد الضغوط نشروا لها بإسم رمزوا له ( أ . ح ) یعنی ( آمنة حیدر ) .

وخرجت الطبعة الأولى من کتابها الفضیلة تتنصر وقد رمز لمؤلفه بـ ( أ . ح) وقد عانت ألوان المرارات فی جهادها لکنّها لم تکل ولم تتراجع ، وقد عبّرت عن صمودها وصلابتها وصبرها على الأذى فی ذات الله والحقّ بقولها :

وکل صعب فیک سهل

إسلامنا أنت العزیز

علقم الأیام یحلو

ولأجل دعوتک الکریمة

الدعوة عامّة للجمیع

کانت تقیم مجلساً للدعاء فی لیالی شهر رمضان وکان المجلس یضم الکثیرات ومن مختلف الطبقات الثقافیة والمادیّة ، وکان فی هذا الجمع بعض النساء العجائز، وکان هؤلاء الأمهات یسألن عن کل شیء ویطرحن حتى الأسئلة الإبتدائیة ممّا یثیر تذمّر بعض الحاضرات ویتمنین أن ینقطع هؤلاء النسوة عن الحضور معهن فی المجلس ، وصارحن الشهیدة بذلک فابتسمت وقالت : الدعوة للجمیع ولا أدری ما الذی یضرّکم من حضور هؤلاء الأمهات اللاتی یطلبن المعرفة ؟ وهل هناک سن محدد لطلب العلم والمعرفة ، وهل المعرفة حقّ لأحدٍ دون أحد ، إنّ من شأن المبلغ الصادق أن یفتح قلبه لجیمع الناس وعلى مختلف هویاتهم وثقافاتهم فما ذنبهم حتى یحرموا من النور وقد قدّم الإسلام أوّل شهید له إمرأة کانت أمّة لأحد المشرکین وها نحن نتأسى ونستنیر بتلک المرأة وموقفها .

الراحة فداءً للمسؤولیة

فی إحدى اللیالی المتعبة التی کنّا نعیشها فی سجن العراق الکبیر ، ولا سیّما فی مدینة العلم النجف وکان الجو مشحوناً بالتوتر خانقاً عصیباً ، وکان الطالب ـ أی طالب علم ـ یخاف الخروج من بیته ، وکانت حملات تسفیر الطلبة الإیرانیین وغیرهم قائمة على ساق ، وأوباش السلطة وسراق الأمان منتشرون فی کل مکان،

وکان الإنسان المؤمن هناک یمشی على رکام من الألغام والقنابل ، ذهبت إلى بیت الشهید الصدر فی ساعة متأخرة من اللّیل وکنت مرهقة وبحال مضنیة وطرقت الباب وکأنی أطرق باب البیت الذی فیه أبی وأمّی دون أی حیاء او وجل ، ولم أکن أفکّر إنّ هذا الوقت غیر مناسب ، أو إنّ فی هذا البیت من یداوی جراحی ویخفّف من آلامی ویأسو کلومی ، وأن فیه من أجد عنده الراحة من المصاعب ، والحلول لما أعانیه من مشاکل ، وفتح الباب حیث کانت زوجة السیّد الشهید أم جعفر ، وکانت لم تزل مستقیظة وفی طریقها إلى النوم استقبلتنی وکأنّها عرفت ما فی نفسی وما یخالجنی ورحنا نتکلّم بهمس لئلا نوقظ النائمین  ، وفی هذه اللّحظة أحسست بوقع أقدام على السُلم فإذا أنا وجهاً لوجه أمام الشهیدة بنت الهدى وقد بدا علیها إنّها کانت نائمة ، عندها خجلت من نفسی لأنّی سببت هذا الإزعاج لکنّها أکّدت إنّها لم تنزعج بل أبدت ارتیاحها وإهتماهها بمجیء ، وبعد ذلک طرحت الأمر الذی جئت من أجله فی هذا الوقت .

اللقاء الأخیر

لقد حصل لی آخر لقاء مع الشهیدة بنت الهدى قبل أن یغلق الباب على  الشهید الصدر وأهله ، ویحاصروا حصار جدّهم فی شِعب أبی طالب ، کان ذلک اللقاء بعد عدّة أشهر من الفراق وامضیتها فی مسؤولیّة عمل کانت هی على علم بها فی مدینة ( …. ) وقد جاءتنا الأنباء باعتقال الشهید (رض) وبموقف الشهیدة فی علمیة الاعتقال . خرجت صباحاً من تلک المدینة مع إحدى المجاهدات العاملات لزیارة الشهیدة ، وکنّا نتوقّع أن یحیق السوء بنا من زمرة الإجرام التی رأت ذلک البیت الشامخ مصدر الخطر الذی یتهدد وجودنا ، وینذرها بالزوال ، وقد أنذرنا السائق الذی أستأجرنا سیارته وکان من محبی الإمام الشهید الصدر وقال لنا عند رکوب السیارة ( هل کتبتم الوصیّة ) .

عند وصولنا مدینة النجف الأشرف اندفعت وبسبب نفاذ الصبر إلى الإستعلام من أحد البقالین المجاورین لبیت الشهید واسمه ( ….. ) عن آخر الأوضاع فقال لی بهمس وخوف ( قد أُفرج بالأمس عن السیّد بحمد الله ) .

وبعدها ذهبنا إلى منزل الشهید حیث وجدنا الشهیدة وأمّها وکان لنا لقاء حافل بالأشواق والعواطف .

لقد کانت الشهیدة تتوّقع الکثیر من الأمور التی حلّت بهم فیما بعد ، وکانت تردد على مسمعی مضامین من قبیل ( إنّنا یجب أن نشدّ عزائمنا للمستقبل ، ویجب أن نسعى سعی أمهاتنا المجاهدات ، ونتحمّل ما تحملته سمیّة وأمثالها من عذاب ومشاق حتى الشهادة ، ویجب ان نتوّقع ما لم یکن فی الحسبان ، إنّنی لا أرى هؤلاء یکفّون عنا ) وراحت تشرح لنا ما حدث لأخیها الشهید عند اعتقاله وخروجها بعده وخطابها فی الزمرة الظالمة التی اعتقلته ، وکیف إنّها لم ترجع إلى البیت حتى أمرها الشهید بالرجوع فرجعت وقد نکّس الجلادون رؤوسهم خجلاً من موقفهم الدنیء . وقد کان لی ولصاحبتی شرف اللّقاء مع الشهید الصدر رضوان الله علیه بحضور أمه وأخته ، وکان من طیب أخلاقه وسمو تعامله معنا وحدیثه الرائع لنا والذی غذى أرواحنا وقلوبنا ما التصق بالذاکرة التصاق أحب الأشیاء والأحداث الى النفس وأقدسها إلیها وقد قام لنا مستقبلاً ثمّ قام مودعاً مبیناً بأدبه الجم وشمائله الرفیعة منزلة المرأة فی الإسلام ، وإکباره لدورها فی الحیاة ومکانتها فی المجتمع ، واعتزازه ه ـ رضوان الله علیه ـ بها ، وقد أوضح هذا الإعتزاز فی جزء من کلامه معنا عندما بیّن دور المرأة المسلمة العراقیة ضدّ طغاة بغداد وما علیها أن تفعله فی هذا المسیر الجهادی وعندها قالت الشهیدة موجّهة خطابها إلیَّ : ( المأمول منک أن تکتبی لنا عن نساء العقیدة فی العراق ) .

لقد دُهشت الأخت التی کانت معی من رؤیتها الشهیدة ، وبلقائها بأخیها الإمام الشهید ، وکانت تعتبر ذلک الیوم یوماً مشهوداً فی حیاتها لأنّه جاءها بأهمّ حدث فیها ، وقد تزودّت من کلام الشهیدة وما شرحته من مواقفها ضدّ الطغاة بأهمّ زاد تتزوّد المرأة الرسالیة على طریق العمل والتضحیة فی سبیل الله .

حصانة العمل وصمام الأمان

وکان من مواصفاتها الرائعة التکتّم الشدید على مسائل العمل ، وضبط لسانها بدقّة متناهیة عن الخوض فی الأمور التی تضر بالحرکة الجهادیة التی تباشرها هی ، أو عن الأمور التی تعلمها من نشاط أخیها الشهید الصدر ممّا لا یصح البوح به أمام الآخرین .

لقد کانت فی هذه الأمور صندوقاً مقفلاً لا تفتحه إلاّ بحذر شدید ، وفی ضرورات العمل وعند خواصّها اللاتی تعتمدهن بحقّ وحکمة کاعضادها فی جهادها .

إنّ الإنسان تستفزّه أحیاناً فی حدیثه مع الآخرین حالات تجعله یبوح بالبعض أو الکثیر من الخصوصیات ، أو تضطره بعض الظروف للحدیث عن أمور خاصة لا ینبغی الخوض فیها على أیة حال ، أو تنتابه بسبب الغفلة أو البساطة أو سرعة اطمئنانه تجعله ینفتح على الآخرین ، ویعاملهم معاملة الخواص ویخلع لباس المحاذرة ، ویدخل مغلوباً على عقله فیما لا یجوز الورود فیه من القول ، أمّا بنت الهدى المهذّبة والتی تکاملت بکمال الإسلام وتربیة رائد مدرسة الفضائل العالیة فإنّها کانت طیلة صحبتی لها فی غایة الحذر وکأنّها قد وضعت نصب عینها قوله سبحانه ) خذوا حذرکم ( . وما دامت هی تعلم أسرار أخیها مستهدفة بقوة من قبل عناصر الرصد البعثی لذلک کانت حکمتها وبصیرتها فی منتهى المقاومة والصمود والإحتیاط .

کانت بعض الحاضرات اللواتی لا تعرف عنهن الکثیر ممّا یوجب السکینة الیهن یطرحن أسئلة مریبة ویتساءلن عن أمور خاصة أو یحاولن ان ینفذن من خلال الأحادیث التی تسود المجلس ، ولکن هؤلاء الحاضرات یرتطمن بجدار حدیدی من السریّة ، وتتحطم کل مساعیهن للنفوذ ، وربما یکون هناک مساعی من هذا القبیل لم تحصل أمامی ولا أمام غیری بل أمام الشهیدة فقط استهدفها بها النظام بواسطة بعض عناصره الخبیثة فی البیت أو فی الشارع أو فی السیارة أو فی المدرسة أو فی أی مجال آخر یمکن لعمیلاته أن یلتقین بها ویتحاورن معها . وبقیت الشهیدة فی کل تلک الموارد صخرة الصمود التی تهشَم علیها رأس المکر الساعی إلى النفوذ إلى ما فی قلبها أو قلب أخیها من خلالها فعاد بالخیبة والخسران .

وکانت توصینا بالحذر والکتمان وتحذرنا من الأشخاص الذین لا نرتاح إلیهم وإن ظهروا بسیماء الصالحین .

وممّا أذکره هنا إنّ امرأة کانت تزور بیت الشهید وتحاول جهدها أن تقدّم خدمة لهم وتسارع فی ذلک ، وکنّا لا نشک طرفة عین فی هذه المرأة بل نحترمها ، ونثق بها ، وحدث أن احتجت إلى دخول المستشفى وکنت بحاجة إلى من یرافقنی فأبدت هذه المرأة إستعدادها لمساعدتی ، والحقیقة إنّنی فرحت بذلک کثیراً لأنّنی وجدت ضالتی ، لکنّنی اصطدمت بأمر الشهیدة الذی ینهانی عن اصطحاب هذه المرأة ، وعجبت أشدّ العجب لهذا النهی ، فانصرفت عن الأمر .

وتمضی الأیام وینکشف النقاب عن تلک المرأة ونتبیّن حقیققتها التی کانت تتکتم علیها وإنّها من الذین یساعدون النظام ویعطونه المعلومات عن الواردین إلى بیت السیّد الشهید الصدر .

وعدت فصدقت الوعد

ما سمعته منها وقرأته لها حتى فی شعرها قول کانت تدرددبه وکأنّه یخرج من أعماق قلبها ویقرأ فی السامع أنفسا التصمیم القاطع ویرى لهجة الصدق قویّة شامخة تؤذن بالتحقّق وتنبئ بالوقوع ، کانت تقول ( لا أرید أن أهرم ویترک الزمان علیّ أثره بل أنا التی تترک علیه أثرها ) . قالت والزمان نافر جامح قد أبى بعوامل سلطته ونفوذه إلاّ أن یقهرها ، ویغلب إرادتها ویجعلها تسلس لأمره ، وتسلم قیادها له ، وقد أجلب لهذه خیله ورجله ، وأعدّ عدّته وشحذ أسلحته ، لکنّه حین واجهته بنت الهدى بقوة الصبر ، وصلابة التجلد ، وصمود الاحتمال ، واقتدار الاحتساب ، والتوّکل على الله وشموخ الیقین ، استخذى استخذاء المستسلم الذلیل وأسلم معصمیه لأغلال الهوان معترفاً  لدى ( بنت الهدى ) وأباح لها أن تترک عیله أثرها الذی أرادته فسجلت على جبینه نصرها المؤزر وسجل لها هو بمیسم الذل اعترافه بالاستسلام ، وکان سعیه معها لیترک أثره علهیا کدبیب نملة على صفوان ، أو رمی حجر فی وجه برکان ، لقد قالت وکانت عند قولها :

لکی یثبط لیَّ عزماً

قسماً وان جهد الزمان

بأن یریش إلیَّ سهماً

أو حاول الدهر الخؤون

تکیل آلاماً وهماً

وتفاعلت شتى الظروف

بأفق فکری فادلهما

فتراکمت سُحب الهموم

وإن غدت قدمای تدمى

لن انثنی عما أروم

فغایتی أعلى وأسمى

کلا ولن أدع الجهاد

إستغلال الوقت للأمور المهمّة

کنّا نقیم بعض المجالس فی فترات متباعدة وتکون الجلسة کل مرة فی بیت إحدى الأخوات المؤمنات ، وبدیهی إن مضیفة الجلسة تستعد لها وتقوم بتهیئة المکان وإعداد ما تقدمه للحاضرات حسب ذوقها وانطباعها عن الجلسة وکنّا فی یوم من الأیام فی بیت الأخت ( …. ) وکانت من اللواتی یتأثرن کثیراً بالشهیدة ویستمعن لنصائحها ، وکان إعدادها للحاضرات متوسطاً ، وفیما هی تقدّم لهن ما أعدت قالت لها الشهیدة وبطریقتها المعهودة من التبسّم ولین الکلام ودماثة الخلق ( لیتک فی هذا الوقت الذی بذلتیه فی إعداد الساندویچ والکیک وإعداد الشای کنت اکتفیت بتهیئة الشربت والشاکولات وصرفت وقتک الثمین فی إعداد موضوع هادف تطرحینه على الحاضرات فلا یضیع وقتهن سدى ، ویرجعن إلى بیوتهن بمنفعة حقیقیة وفائدة واقعیّة ) وبهذا أرادت بنت الهدى أن تعطی درساً کبیراً وموعظة ناجحة عن الطریقة التی ترتب بها الجلسات والحفلات واللقاءات المثمرة والمرضیة عند الله وتلک هی التی یغمرها ذکر الله والعمل الصالح ، والتواصی بالحقّ والصبر . لقد کان وقت بنت الهدى کلّه للخیر وکانت تسعى جهدها أن تشغله بالأمور المهمة والقضایا الکبیرة ، وبتحصیل العلم ، وتنویر العقل ، ویلازمها هذا الشغف المشهود بالمعرفة حتى فی المطبخ حین نراها تلازم کتابها فیه وتصطحب المصادر التی تطالع فیها لغرض التألیف إلى ذلک المکان کی لا تضیع منها دقیقة واحدة بعیداً عن عالم الکسب الحقیقی وحصاد الخیر الواقعی .

لقد کان کل وقتها ونشاطها للعبادة الصادقة ، ذکر الله ، وتحصیل العلم ، ونشر الهدایة والمعرفة ، والسعی الحثیث فی طریق الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر والجهاد فی سبیل الله حقّ جهاده ، وتعریض النفس للمحن والصعاب فداءً للقضیة المقدّسة قضیّة الإسلام  .

انتهى ما أردنا نقله عن الأخت الفاضلة المجاهدة أم تقى الموسوی حفظها الله وشکر لها سعیها .

[۱]  ـ بطلة النجف : ص۷۴ .

[۲]  ـ جریدة المنبر العدد ۲۴ ص۷ ـ لندن .

[۳]  ـ المصدر السابق .

[۴]  ـ جریدة المنبر العدد ۲۴ الصفحة ۱۱ ـ لندن .

[۵]  ـ مقال تحت عنوان ( أی کنز ثمین فقدنا ) بقلم أم أنور الهدى نشرته مجلة المنبر الغراء العدد ۲۴ الصفحة ۷ بتصرف یسیر .

[۶]  ـ لاحظ سنوات المحنة وأیام الحصار ص ۱۱۷ .

[۷]  ـ لاحظ سنوات المحنة وأیام الحصار ص۱۱۹ ـ ۱۲۱ .

[۸]  ـ کنت قد طلبت من السیّدة أم تقى الموسوی ـ وهی إحدى تلمیذات الشهیدة بنت الهدى والمقرّبات منها ـ تزویدی بما عندها من مذکّرات وخواطر عن شهیدتنا الغالیة فاستجابت مشکورة فکتبت هذه المذکرات القیّمة . وکان عزمی أن أضع کل مقطع منها فیما یناسبه من کتابی إلاّ إنّی وجدت إنّ طباعتها کما هی أکثر فائدة للقارئ لأنّها تعکس صورة صادقة ودقیقة عن الشهیدة بنت الهدى ، وهو ما أستهدفه أساساً ، کما أن تجزئتها قد تؤثر على بریقها وجاذبیتها وتأثیرها فآثرت طباعتها کما هی ـ مع تصرف یسیر ، وهی مذکّرات خطیة أحتفظ بها ولم تنشر من قبل .

About سید محمد هاشم پوریزدانپرست

دانشجویان مسلمان پیرو خط امام تسخیر لانه جاسوسی

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*


*

شما می‌توانید از این دستورات HTML استفاده کنید: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>